اليوم الثالث وجولة خارج العاصمة باتجاه الجنوب
خرجنا الى الجنوب من العاصمة دوشانبة عبر طرق مزدوجة وأحياء كثيرة فالعاصمة تعتبر من أكبر المدن ويحتشد فيها العدد الأكبر من السكان حيث يصل عدد سكانها زهاء المليون ونصف تقريباً، وتمتد وتتعدد أحيائها في سعة الوادي الكبيروتستغل المساحات السهلة للأمتداد العمراني ، ويضم الوادي نهرين يلتقيان بالعاصمة دوشانبه من الشمال نهر( ورازاب- Varzob ) ومن الشرق نهر( –kafimigan- كافيميغان) ولكل مدينة في طاجكستان بوابات كبيرة تدل على مخارجها الرئيسية كمثل البوابة الجنوبية للعاصمة ومنها خرجنا الى محافظة ختلان .
بوابة العاصمة الجنوبية الى محافظة ختلان
والدولة مازالت تتعامل مع المواطنين والغرباء تعامل قديم الطراز متمثل بنقاط التفتيش الكثيرة والمتمركزة بنقاط المدن ولهم تعامل مزعج جدا متمثل بتسجيل اسماء الركاب وخاصة السياح وغيرهم في كل نقطة.
نقاط الشرطة الكثيرة والمزعجية بين كل قرية ومدينة
واصلنا مسيرنا وتقدمنا تجاه الجنوب وفي طرق مسفلتة وذات مسار فردي وبعضها منسق من ناحية الخطوط واللوحات الارشادية والكثير مهمل وسيء الصيانة...
الطريق الى محافظة ختلان وسط المزارع والمراعي الخضراء
وعبرنا باتجاه الجنوب الى المحافظة الجنوبية (ختلان) الملاصقة لحدود افغانستان وجزء من اوزبكستان وعبور نهر (وخش - Vakhsh)وثم عاصمة المحافظة مدينة (كورغان تبا - Qurgonteppa)
محطة القطار بمدينة (كورغان تبا - Qurgonteppa)
زيارة خاصة في بيت من بيوت الطاجيك أهل الكرم
وكان لنا اليوم زيارة خاصة لمنزل أخت مترجمنا أخونا عمر وفي نواحي مدينة كورغان تبا كان أخو عمر ينتظرنا ليدلنا للمنزل ببسيارته الصغيرة الحمراء وفي مسيرنا في نواحي البلدة بأسوار المزارع الطينية وأشجار الرمان والفواكه الاخرى تتدلى من الأسوار ومجاري مياه الجداول المتفرعة من الاأنهار حولهم كانت زيارة مميزة بتعرفنا على عادات الريف وأهل طاجكستان الأصيلين بكرمهم وترحيبهم بالضيوف...
وصلنا منزل نسيب الأخ عمر في بيت حديث البناء ويأسوار من الطوب الفخاري وكذلك جدران المنزل وأما أسقفه من الخشب والواح الحديد المضلع (الشينكو) وبوابة متواضعة من الحديد قد فتحت وشرعت في إنتظارنا وما أن سلمنا عليهم إلا والأذان يصدح هنا على غير ماكنا في العاصمة ووقت صلاة الظهر ..
منزل نسيب مترجمنا الأخ عمر ويرى بالباب أخوه عبدالكريم
توجهنا جميعاً للمسجد المتواضع جدا ومن مجرى جدول على بابه كان توضأنا بماء بارد أزال عنا كل تعب ، وكان بالمسجد اباريق تستعمل للوضوء ودورة مياه ولكن كان منظر جريان المياه من على ذلك الجدول شيئاً آخر..
أحد رواد المسجد وهو يكمل وضوءه
المسجد المتواضع قرب منزل مضيفنا.
وبعد الوضوء ودعاؤه (اشهد ان لااله الا الله واشهد أن محمد رسول اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ) دخلنا بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلي على محمد اللهم أفتح لنا أبواب رحمتك ...
لمسجد على أرضية اسمنتية وبأعمدة من انابيب اسمنتية أيضاً وبسقف من الخشب وبالاعلى الواح الحديد المضلع.
وقد استعمل في المحراب قطع من القماش لكي يجعل للمسجد نوع من الخصوصية ، وكان الجمع بانتظارنا حيث سمعوا بمقدمنا وما أن توافدنا حتى أقيمت الصلاة وأمنّ واحد منهم وبعد الصلاة والتسبيح قاموا الينا يصافحوننا والبعض يعانقنا عناق المحب لحبيبه بعد أن عرفو أننا من العرب ومن بلد الحرمين وبابتسامة من القلب تحكي لنا الود والمعزة التي يكنونها لأهل الحرمين والعرب خصوصاً...
اللهم ارزقهم من واسع فضلك وثبتهم على دينك والهمهم الصواب في كل أمرهم اللهم أمين...
بعد السلام والعناق توجهنا جميعاً لبيت المضيف نسيب الأخ عمر وقد أكرمونا بالدخول أولا وتوجهنا الى المجلس وقد رصت الفرش الزرقاء على أطرافه الثلاثة وفرشت في وسطه سفرة عامرة بكل الأطايب من الخبز والحلوى والفواكه الطازجة وهم يرحبون وبوجه طلق يشيرون بأيديهم الى المجلس لنجلس الى المائدة.
لحظة دخولنا الى المجلس وقد وضعت سفرة مليئة باطايب الطعام
ونحن جلوس في المقدمة وأخذنا الاذن بالتصوير لنريكم ونشارككم مارأينا من كرمهم وضيافتم
وفي البداية قدم لنا الشاي بنوعيه الأخضر والأحمر وقد وضع مسبقاً الخبز والحلوى وأطباق الفواكه وهم يشيرون للطعام أن نأكله وبدأنا بسم الله وثم ونحن نتحدث عبر مترجمنا عن أحوالهم وأخبارهم كانت الأطباق تتوالى بين أنواع من الخبز الجديد وأنواع من الخلوى التي تصنع في المثل هذه المناسبات وهي من الزبد والطحين والسكر وهي لذيذة جدا الله لك الحمد ، وثم أطباق من بوادي من الصين وفيها حساء تقليدي من المعكرونة يسمى 'جمان' يقدم مع المعكرونة المصنوعة في المنزل وقطع اللحم والخضار ، وتوالت الأطباق وجيء بالحبحب والبطيخ ونحن قد أتخمنا اللهم لك الحمد من طيب الطعام ومن ملقلهم الطيب بوجوههم المبتسمة وهم يرحبون ويتفحصون وجوهنا ما ان نرى شيئاً الا وقد أسرعوا بأحضار مانرى من الاطباق ..شعب مضياف وذو كرم وخصال لم تتغير رغم مامر بها من شظف العيش وتخريب بلشفي روسي على مدار سبعين عاماً ..
وبعد أن قضينا وقتاً جميلا ولا ينسى في حضرة كبار أهل القرية وصاحب المنزل وقد كانت قبل زيارتنا بيومين مناسبة البيت الجديد وقد فاتنا الحفل وطريقة احتفالهم ولكن عوضنا الله خيراً بهذه الزيارة.
خرجنا وقد قدموا لنا ابريق وصحن للغسيل وهو عادة يقدم لكل زائر بحيث يغسل يديه وهو خارج بكل عفوية وبكل أدب وثم ودعناهم وهم يلوحون بأيديهم ويضعونها على صدورهم في إشارة للأحترام والتوقير .
التوجه نحو منطقة العيون الـ44 عيناً
خرجنا من القرية ونحن نحمل كل ذكرى عطرة لهذه الزيارة المميزة والتي عرفّتنا بجزء من حياتهم وتوجهنا الى الخارج باتجاه الجنوب نحو موقع آخر وهو مدينة (شارتوز) وبطريق بين المزارع والانهار وثم صعدنا بعض الهضبات وفي أرض جرداء حتى أقتربنا من حدود دولة اوزبكستان ودولة أفغانستان كانت تلك مدينة (شارتوز) ومنها توجهنا الى موقع العيون وهي تسمى ( تشالي شار شاشما ) ومعنى الكلمة "أم 44 ينبوع") ويقع على بعد 12 كم من القرية ، وشارتوز معروفة على نطاق واسع في طاجيكستان ، وكذلك في أوزبكستان لأعتقاد أهل المنطقة في قدرتها على العلاج من الأمراض .
وكما تقول الاسطورة أن الخليفة علي بن أبي طالب وبعد أن جفت الأنهار كنهرروميت وغيره ، وصل الخلفة رضي الله عنه لمنطقة( تشالي شار تشاشما) أم 44 عين وطلب من الله بعض الماء وضرب على سفح احد التلال القريبة بيده وتفجرت خلالها خمس من أنقى ينابيع الأرض تدفقت من خمسة ثقوب حيث أدلى بأصابعه.
ولاأدري صحة الأمر من عدمه ولكن الناس عادة يتشبثون بمثل هذه الأمور أعتقادا منهم ببركة الخلفاء الراشدين والصحابة والله أعلم.
صورة لمنظر النهر المكون من مجموع العيون الاربع والاربعون .
مجاميع من الزوار وقد جعلو المكان متنزها وهم يمرحون ويلعبون في تلك المياه
كان الجو حاراً ولو كنا أحضرنا ملابس السباحة لتبردنا قليلا في تلك المياه الباردة ولكن جلسنا قليلاً وعند أحد المقاهي شربنا الشاي وأكلنا بعض المثلجات وثم تحركنا الى مدينة (قوبديون).
وصلنا لمدينة قوبديون وفيها سكن العالم ناصر خسروي قبديوني وفي أحد مساجدها توقفنا لأداء صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم والتي ضم الى المسجد مكان الراحة للمسافرين وعابري السبيل وقد اسست في وسطه مدفأة كبيرة الحجم في منطقة الاستراحة .
مكان الاستراحة خلف المسجد مباشرة
نهر جيحون
واصلنا المسير بمحاذاة الحدود مع دولة أفغانستان وكان الفاصل نهر (أموداريا) والمعروف قديما لدى العرب باسم نهر (جيحون) ويسمى باليونانية (أوكسوس (oxus، ينبع من هضبة (بامير)، بآسيا الوسطى والواقعة حاليا في دولة طاجكستان ، ويصب في بحر (آرال (aral، وقد دعاه العرب بنهر جيحون، ثم بطل استعمال هذه التسمية في العصر المغولي فأضحى يسمى نهر (آموداريا (amoudaria وكلمة (أمو) تعني النهر فيكون اسمه نهر داريا. وهو اليوم نهر مشترك بين كل من أفغانستان وطاجكستان ويعتبر حدودا طبيعية بينهما ويمر أيضا على اوزبكستان وتركمانستان ويصب في (بحر الارال - Aral Sea )
وصولنا الى نهر( جيحون ) وفي الصورة نرى النهر في الخلف ومابعدة حدود دولة افغانستان وهي مازالت تعج بالجنود الروس نظرا للأتفاقية بين الدولتين ويعتبر هذا الشريط الحساس لحماية روسيا بحدودها الجنوبية من أفغانستان وباكستان بعد خروجها منها خاسرة في عام 1989م
منطقة الحدود والمفصولة بنهر جيحون ..
ليلة في ضيافة القاضي حبيب رحمانوف
وعند مدينة (كوليوب - Kulop) وعلى مسافة بسيطة غرباً تقع ناحية (أمين واسع- Imeni Vose) والتي قضينا فيها ليلة في ضيافة القاضي حبيب رحمانوفبعد مسيرة قضيناها من دوشانبة وحتى الجنوب ومدينة قبوديوني وشارتوز مرورا بحود افغانستان ووصلنة منزله في الليل وكان ينتظرنا جزاه الله خير وقد فرش لنا مائدة بأطايب الطعام مشكورا هو وأبنه وقد أجلسنا في منصة جميلة نصبها على ضفة نهر (سرخب) وبعدها وجهنا الى غرفة الضيوف بعد أن فرش لنا الفرش في غرفة مكيفة بارك الله فيه .
الجلسة المرتفعة والتي تطل على نهر (سرخب )
مناظر تطل من على استراحة ومنزل القاضي حبيب رحمانوف