الشكر للاخوة
ريع الدياب
المربد
صقر
على ردودكم الجميلة ويسرني الاستمرار في نشر البعض من نوادر هذا الرحّال الكبير وشيء من ادبياته التوصيفيه للرحلته .
وعن كتابه المشهور
طبع الكتاب كاملاً لأول مرة في لندن سنة 1852م بعناية الإنجليزي رايت. ثم في ليدن 1907م كما ترجمت قديماً إلى لغات كثيرة. تحكي قصة الكتاب خروج ابن جبير من بلده غرناطة يوم الخميس 8 شوال 578هـ بصحبة صديقه أحمد بن حسان، قاصداً أداء فريضة الحج، عن طريق البحر وما لقياه في هذه الرحلة.
مقتطفات من بداية رحلة ابن جبير في كتابه
((فجاء النهار، وهو يوم الأربعاء التاسع عشر من ذي القعدة، بما هو اشد هولاً وأعظم كرباً، وزاد البحر اهتياجاً واربدت الآفاق سواداً، واستشرت الريح والمطر عصوفاً، حتى لم يثبت معها شراع. فلجأ استعمال الشرع الصغار. فأخذت الريح أحدها ومزقته وكسرت الخشبة التي ترتبط الشرع فيها، وهي المعروفة عندهم بالقرية. فحينئذ تمكن اليأس من النفوس وارتفعت أيدي المسلمين بالدعاء الله عز وجل. وأقمنا على تلك الحال النهار كله. جن الليل فترت الحال بعض فتور، وسرنا في هذه الحال كلها بريح الصواري سيراً سريعاً.
وفي ذلك اليوم حاذينا بر جزيرة صقلية. وبتنا تلك الليلة، التي هي ليلة الخميس التالية لليوم المذكور، مترددين بين الرجاء واليأس. فلما أسفر الصبح نشر الله رحمته، وأقشعت السحاب وطاب الهواء وأضاءت الشمس وأخذ في السكون البحر. فاستبشر الناس وعاد الأنس وذهب اليأس، والحمد لله الذي أرانا عظيم قدرته، ثم تلافى بجميل رحمته ولطيف رأفته،حمداً يكون كفاءً لمنته ونعمته.
وفي هذا الصباح المذكور ظهر لنا بر صقلية وقد أجزنا أكثره ولم يبق منه إلا الأقل. وأجمع من حضر من رؤساء البحر من الروم وممن شاهد الأسفار والأهوال في البحر من المسلمين أنهم لم يعاينوا قط مثل هذا الهول فيما سلف من أعمارهم،والخبر عن هذه الحال يصغر في خبرها.))
وحيث ابتدأ رحلته في 8 شوال 578هـ من غرناطة وتوجه الى سبته ومن سبته استقل السفينة متوجهاً الى الاسكندرية في يوم 29 شوال 24 فبراير 1183م فقد انتهى الى المرحلة الاولى منها الى الاسكندرية في 29 ذي القعدة يعني استمرت رحلتة البحرية شهراً كاملاً في البحر وقد مرّ على اهوال البحر الابيض المتوسط وحوادث سطرها كتابه النادر وينتهي بقوله حين وصل الى الاسكندرية بقوله:
((ونزولنا عنه في يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة، وبموافقة السادس والعشرين من مارس، والحمد لله على ما من به من التيسير والتسهيل، وهو سبحانه المسؤول بتتميم النعمة علينا ببلوغ الغرض من المقصود، وتعجيل الإياب الوطن على خير وعافية، انه المنعم بذلك لارب سواه. وكان نزولنا بها بفندق يعرف بفندق الصفار بمقربة من الصبانة.
شهر ذي الحجة من السنة المذكورة
أوله يوم الأحد، ثاني يوم نزولنا بالإسكندرية)).
نكمل معكم مقتطفات مثيرة من رحلة ابن جبير حيث اكمل طريقه من الاسكندرية وتحرك ركبه إلى القاهرة، ومنها استقل سفينته في نهر النيل حتى مدينة قوص في صعيد مصر، ومنها برا إلى ميناء عيذاب على البحر الأحمر ليستقل سفينته حتى ميناء جدة التي هاجم في كتابه استغلال سكانها للحجاج وفرضهم الإتاوة عليهم، ثم وصف عملية تسجيل أسماء الحجاج لدى صاحب جدة قبل انتقالهم إلى مكة المكرمة ليلة الثالث عشر من ربيع الآخر 578هـ. في المسجد الحرام
وصف ابن جبير المسجد الحرام، والأماكن المقدسة والمباركة في مكة، وقد قرر أن يبقى بالمدينة حتى عام 579 لأداء الحج حيث كان وصوله بعد موسم حج عام 578هـ، وقام أثناء ذلك بأداء عمرة شهر رجب واصفا زحام المعتمرين أو "مرأى الحشر يوم القيامة لكثرة الخلائق فيه".
وكان قد حضر ليلة النصف من شعبان في مكة المكرمة ووصف قراءة القرآن والصلاة بالمسجد الحرام.
وسجل لنا ابن جبير في رحلته بداية شهر رمضان في الأراضي المباركة؛ إذ ذكر أنه قد وافق يوم أحد، ولم يفته أن يلاحظ أن أهل مكة صاموا ولم يكونوا قد تمكنوا تماما من رؤية الهلال، ولكن أمير مكة أمر بضرب "الدبادب" وهي آلات ذات أصوات عالية من أجل إعلان بدء الصوم؛ لأنه رأى وجوب صيام يوم الشك.
ولاحظ ابن جبير أنه بمجرد بدء شهر رمضان تم تجديد الحصر الموجودة بالمسجد الحرام والإكثار من إشعال الشموع والقناديل حتى تلألأ الحرم نورا وسطع ضياء.
كما وصف صلاة التراويح بالحرم المكي فذكر اصطفاف العديد من المصلين خلف الأئمة من المذاهب الأربعة، ولأن ابن جبير كان مالكي المذهب فقد احتفى بذكر الأئمة والقراء المالكية وما قدمه التجار المالكية من شموع عالية أمام المحراب.
قناديل المسجد دليل السحور
ولم يفت ابن جبير ذكر مسألة السحور في ليالي رمضان في مكة المكرمة، فذكر أن أحد المؤذنين كان يتولى التسحير في الصومعة الموجودة في الركن الشرقي من المسجد الحرام بسبب قربها من دار أمير مكة فيقوم المؤذن وقت السحور داعيا ومذكرا ومحرضا على السحور، ونصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة في رأسها عود كالذراع وفي طرفيه بكرتان صغيرتان فوقهما قنديلان كبيران من الزجاج يضيئان طوال فترة السحور، فإذا اقتربت نهاية وقت السحور قام المؤذن بإنزال القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ في الأذان.
ونتيجة لاتساع مساحة مكة المكرمة وبعد الكثير من منازلها عن المكان الموجود به قنديلا التسحير، يذكر ابن جبير ارتفاع منازل مكة؛ وهو الأمر الذي جعل الذين لم يسمعوا نداء السحور يشاهدون القنديلين يضيئان أعلى الصومعة فإذا لم يبصروهما عرفوا أن وقت السحور قد انتهى.
وسجل ابن جبير في رحلته وصول الأمير سيف الإسلام بن أيوب أخي صلاح الدين الأيوبي إلى مكة في اليوم التالي من شهر رمضان 578هـ قادما من مصر بعد مروره على المدينة المنورة لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم زيارة لمكة بعض الوقت وبرفقته وفد من الحجاج المصريين الذين التمسوا الأمن برفقته قبل أن يكمل الطريق باتجاه اليمن لمعالجة إحدى الفتن التي حدثت بها، كما سجل دعاء سكان مكة للأمير سيف الإسلام وأخيه صلاح الدين الأيوبي لاهتمامه بأحوال المدينة المقدسة، ثم طاف سيف الإسلام وأتباعه ببيت الله الحرام، ودمعت أعينهم تبتلا وخشوعا قبل أن يقوم بالسعي بين الصفا والمروة كما تم فتح الكعبة المشرفة له خصيصا.
ختم القرآن شيم المجاورين
اهتم ابن جبير بذكر اجتهاد المجاورين للمسجد الحرام في صلاة التراويح وختم القرآن، فذكر أنه كان يجري ختم القرآن في كل ليلة من ليالي العشر الأواخر، فذكر أنه في ليلة الحادي والعشرين من رمضان قام أحد أبناء مكة بختم القرآن أمام قاضي المدينة وبعض شيوخها، واحتفل والد الصبي بذلك بأن قام بدعوتهم إلى وليمة في منزله.
كما قام صبي آخر من أبناء مكة عمره 15 عاما بختم القرآن ليلة الثالث والعشرين فقام والده أيضا بالاحتفال بهذه المناسبة؛ ولأنه كان من الأثرياء، فقد لاحظ ابن جبير أنه أحضر ثريا مصنوعة من الشمع، وأنواعا من الفاكهة "الرطبة واليابسة" والعديد من القناديل والمشاعل.
وفي ليلة الخامس والعشرين قام بختم القرآن ابن الإمام الحنفي للمسجد الحرام؛ الأمر الذي أوجب احتفال والده به أيضا.
ثم تحدث ابن جبير عن ختم القرآن الكريم بالمسجد الحرام ليلة السابع والعشرين بوصفها ليلة استثنائية ومباركة يقول: "وأي حالة توازي شهود ختم القرآن ليلة سبع وعشرين من رمضان خلف المقام الكريم وتجاه البيت العظيم؟ وإنها لنعمة تتضاءل لها النعم تضاؤل سائر البقاع للحرم". وختم ابن جبير حديثه عن ليالي رمضان في مكة، بالدعاء لله أن يبارك صومه إلى جوار الكعبة والبيت الحرام.
ويصف ليلة عيد الفطر المبارك في مكة المكرمة بوصفها من "الليالي الحفيلة"، حيث جرى إيقاد جميع القناديل والمشاعل والأنوار في الجهات الأربع للحرم، كما تمت إضاءة سطح المسجد الموجود أعلى جبل أبي قبيس، كما أقام المؤذن تلك الليلة أعلى سطح قبلة زمزم مهللا ومكبرا ومسبحا وحامدا. بينما قضى كافة الموجودين في مكة ليلتهم ما بين صلاة وطواف وتهليل وتكبير.
عيد الفطر في مكة
بادر السكان بمجرد الانتهاء من أداء صلاة الفجر بلبس أثواب العيد الجديدة، وتوجهوا ثانية لصلاة العيد بالمسجد الحرام، وبعد الاستماع إلى خطبة العيد أقبل الناس على مصافحة بعضهم البعض آخذين في الدعاء مسرورين فرحين بما آتاهم الله من فضله، ثم طافوا بالبيت الحرام.
وبعد انتهاء الصلاة والطواف والسلام توجهوا إلى زيارة قبور الصحابة المسلمين في جبانة المعلى، وقاموا بالدعاء لمن فيها من عباد الله الصالحين.
مكث ابن جبير شهري شوال وذي القعدة في مكة المكرمة انتظارا لأداء فريضة الحج، استعرض خلالهما كيفية أداء المناسك، كما قام بزيارة المنزل الذي ولد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي تحول إلى مسجد يعرف بمسجد مولد النبي صلى الله عليه وسلم، كما زار دار السيدة خديجة رضي الله عنها.
تشمير الكعبة
كما وصف تشمير أستار الكعبة المقدسة على جوانبها الأربعة، فيما يعرف بإحرام الكعبة، حيث ترفع الأستار يوم السابع والعشرين من ذي القعدة ولا تفتح الكعبة حين إحرامها إلا بعد الوقفة.
ويحكي لنا موقفا طريفا في مكة ليلة التاسع والعشرين من ذي القعدة، حيث انتظار هلال ذي الحجة، فيذكر أن طائفة من الحجاج المغاربة والمصريين كانوا يريدون أن يكون الوقوف على جبل عرفات يوم جمعة، لما لهذا اليوم من بركة واسعة، فادعوا أنهم شاهدوا هلال ذي الحجة في التاسع والعشرين من ذي القعدة غير أن قاضي مكة ردهم قائلا: "يا للعجب! لو أن أحدهم يشهد برؤيته الشمس تحت الغيم الكثيف لما قبلته. فكيف برؤية هلال هو ابن تسع وعشرين ليلة!
مكة كالرحم يسع مولوده
ويرصد ابن جبير توافد أعداد لا تحصى من الحجاج على مكة المكرمة، ويذكر أنه من الآيات البينات أن تسع مدينة مكة الصغيرة جميع هؤلاء الحجاج، وذلك حسب تعبيره، "لو أن المدن العظيمة حلم عليها هذا الجمع لضاقت عنه ويتفق مع العلماء القائلين بأن ذلك ما حدث إلا لأن مكة تتسع لحجاجها اتساع الرحم لمولوده".
ويلاحظ أنه منذ اليوم الأول لذي الحجة بدأت أصوات "الدبادب" العالية تظهر في كافة أوقات الصلاة وحتى يوم عرفة بتذكير الناس وجمعهم عند الصلاة الجامعة بالمسجد الحرام.
وصف ابن جبير مناسك الحج وأفاض في وصف الوقوف على جبل عرفات وذكر أنه من السنة المبيت بها، ولكن الحجاج اضطروا إلى مغادرتها بسبب خوفهم من قبيلة بني شعبة المشهورة بالإغارة على الحجاج ونهبهم؛ غير أنه يذكر أنه تمت حماية الحجاج آنذاك بفضل تدخل الأمير عثمان بن علي صاحب عدن. الذي كان قد فر منها بعد وصول الأمير سيف الإسلام أخي صلاح الدين الأيوبي، وعلى الرغم من وصف ابن جبير له سابقا بأنه كان ظالما في قومه واختص لنفسه الكثير من الأموال والمتاجر وهو ما دفع الدولة الأيوبية إلى مهاجمته وعزله فإن ابن جبير يحمد له موقفه في حماية الحجاج من هجمات الشعبيين في المضيق الكائن بين مزدلفة وعرفات، ويصف ما فعله الأمير عثمان بأنه "... جهاد يرجى له بالمغفرة لجميع خطاياه".
ووصف ابن جبير ازدحام الحجاج على جبل عرفات الذي "لا شبيه له إلا الحشر"، وتتبع كل مناسك الحج ورحلة الحجيج ومواقعهم بالتفصيل الدقيق، وذكر أهم الشخصيات التي وصلت للحج هذا العام، وكان أمير العراق الذي وصل في موكب ضخم برفقة أمراء بلاد فارس والعديد من السيدات. كما ذكر ما جرى عند عودة الحجاج إلى مكة من المناوشات والاحتكاكات بين أهالي مكة والحجاج العراقيين والأتراك، حيث جرح البعض وانتهبت بعض أمتعة التجار قبل أن تنتهي تلك الفتنة سريعا.
ولم يفت ابن جبير الإشارة إلى وجود أسواق لتلبية حاجات الحجاج، ومن ذلك سوق منى التي تستمر لثلاثة أيام، وهي من كبرى الأسواق فضلا عن السوق العظيمة المعروفة بسوق المسجد الحرام التي تحتوي سلعا وبضائع لا حصر لها، وحسب تعبيره "كانت سوقا عظيمة يباع فيها من الدقيق إلى العقيق ومن البر إلى الدر".
ثم غادر ابن جبير مكة في العشرين من ذي الحجة 578هـ بعد أن مكث بها أكثر من ثمانية أشهر، وبعد إتمام الغرض الأساسي من رحلته إلى الشرق وهو الحج إلى بيت الله الحرام.
انتهينا من نقل صورة لجزء من رحلة ابن جبير والتي قضى فيها العام الكامل بين اكناف المدينة ومكة المكرمة