مدينة البدع ووادي الطيب اسم: دخلنا مدينة البدع ، وكانت تاريخيا تسمى (مدين) و(مغاير شعيب ) وبها مدينة مندثرة من الفترة الإسلامية المبكر تدعى محليا باسم اللقيطة وموقع هذه المدينة حاليا على الضفة الشرقية لوادي عفال الذي يمر بوسط مدينة البدع ، وتعتبر البدع المحطة التالية جنوبا بعد محطة الشرف ، وهي مدينة جبلية تتوزع مبانيها بين الهضاب والسهول وحول الشعبان ويكثر شجر الطلح في أراضيها ، وقد قرأت كتاب البلدان لليعقوبي في وصفه للمدينة أثناء القرن الثالث الهجري بقوله : " مدينة قديمة عامرة ، بها العيون الكثيرة والأنهار المطردة العذبة ، والاجنة والبساتين والنخل ، وأهلها أخلاط الناس ". وكان مقصدنا الى هذه المنطقة بهدف الوصول الى وادي ( الطيب اسم )هذا الوادي العجيب في تكوينه الذي يجعل السائر خلاله في حاله من الترقب المستمر والإحساس بانطباق الجبلين حوله ، وسأتكلم عنه بعد قليل . ونحن في هذه المدينة الهادئة التي تبعد عن تبوك 220كم عن طريق بئر بن هرماس والشرف ، واتجهنا نحو احد المحطات القليلة فملأنا الخزانات النفطية والمائية والغذائية استعدادا لرحلة خلويه وعرة من البدع وحتى الساحل للبحر الأحمر نمر خلالها في الوديان الضخمة والشعبان المتفرعة المتعرجة ونصعـد الجبال لبلـوغ ذلك الساحـل الذي يصلنا به الوادي الذي ذكرتـه سابقـا وما بـه من بديـع صنعـة وعظيم خلقه تتجلى في تكوينه ومساراته. الاتجاه نحو وادي طيب الاسم وتم الانتهاء من المحطة وثم كان المسير غربا وقد مر زميلي معاذ قبل مدة للمنطقة وذكر لي معرفته الطريق تقريبا وقد اتجهنا نحو وجهته ولم نسلم من الضياع وقد استعنا بأحد أبناء المدينة الذي هب للمساعدة وقد الزمنا بالدخول وأكرمنا ولكننا أبينا لقصر المدة واعتذرنا وشكرناه لكرمه وقد أرشدنا الى وجهة هدفنا تقريبا ، واتجهنا وكانت العلامة احد الجبال الصغيرة على أن نتجه إليها وهي غرب البدع وهذا الجبل قبله جادة تتجه شمالا هي مدخل الوديان المتوجهة إلى مدخل وادي الطيب اسم وقد تهنا مرة ثانية في معرفة الجبل ولم نستهدي للطريق الا بسؤالنا مرة اخرى لأحد رعاة الإبل وقد كان في سيارة جمس وانيت حمراء قديمة الطراز وكان شكله يوحي انه من عنزه وقد كان يسوق قطيعا من الإبل وحاول ايضا بكرم بالغ ان ( نقلط ) في منزله ولكن اعتذرنا لعدم وجود الوقت الكافي ، وأرشدنا مشكورا الى الجبل وقد تركناه خلفنا وفعلا وصلنا الجبل المقصود ووجدنا الجادة المتجهة شمالا فركبناها واتجهنا في الجادة الوعرة الترابية الصخرية فقطعنا مرتفعات ومضائق جبلية وعند كل مفترق جواد نسجل نقطة الإحداثيات لعدم الضياع في طريق العوده ، ومن وادي الى وادي ومن مرتفع الى جبل آخر فقطعنا سلسلة جبلية ضخمة وبعده نزلنا في وادي ضخم يتجه غربا وينحدر كلما سرنا وقد وجدنا في طريقنا نحو أحد الوديان محطة استكشاف الزلازل تابعه لأحد الجامعات لرصد الزلازل في المنطقة ، وقد حدثت بالفعل زلازل في المنطقه قبل أشهر وكان مركزها حقل وحدثت تصدعات واضحة في المباني وقد وجدنا بعض الآثار في الطرق المشققة . وسرنا في وادي عريض به أشجار الطلح يمينا ويسارا وفي تجاويفه قد زرعت أو استزرعت أشجار النخيل وهي مملوكة لبادية المنطقة وهذه الأشجار اذا زرعت تدل على استملاك المكان ، وهي طريقة تسمى شرعا ( إحياء الموات ) أي إحياء الارض الميتة باستزراعها وحفر بئر فيها وطريقة إحياء الموات من الأراضي شائعة هنا وكلما سرنا نجد في أحد التجاويف أشجارا من النخيل وبئر مبنية من الأسمنت تبين استملاك المكان وأن صاحبها قد أحياها . وسرنا في الوادي شديد الوعورة حتى وصلنا إلى نهاية الوادي العريض فاذا به قد أغلق وفي نهايته منطقة أشجار نخيل كثيرة وآبار مبنية من الأسمنت ، وحتى أنك قد ترجع وتعود لأنك لاترى طريقا ينفذ ولكن تتعجب من هذا الوادي العريض المنحدر حتى هذه النقطة ، وقد سرنا نحو ثلاث ساعات من دخولنا هذا الوادي ثم لاتجد مصرفا للمياه وقت الأمطار !! وقد حاول زميلي معاذ ان يختبرني وقد أتى من قبل لهذا المكان فقال : هاه يا وائل هل تعتقد ان الوادي هذه نهايته ؟ فقلت ببداهة : طبعا لا … لابد أنه يوجد مخرج للمياه . فقال : هيا ابحث عنه 0 هل تعتقد انه هناك ؟ فأشار بيده يمينا ثم يسارا ! وقد كان المكان محاطا بالجبال فكأنه جدار لا يوجد به فتحة حتى ظننت ان الماء قد يكون مساره في احد الفوهات أو الآبار التي تنقله الى مكان آخر . فبادرني بقوله : يا وائل هل تعتقد ان ضخامة هذا الوادي وما يمتلئ به من كميات ضخمة من المياه ان مسار المياه هو بئر أو فوهة !!؟ فطبعا لم اعتقد ذلك ولكن لابد من وجود مسار للمياه فعرفت انه يخبء في داخله شيئا وكنت أقود السيارة فتجولت في المنطقة فاتجهت لتجويف في جبل اعتقدت ان يكون خلاله المسار ولكنه مغلق واتجهت شمالا فإذ بي أرى تجويفا ضيقا وقلت هذا هو فقال لي اذهب محاولا ان لا يعلمني بالحقيقة زيادة في التعجب وها نحن في مدخل وادي الطيب اسم وهو مدخل لايكاد يرى والعجب يزداد حين ندخل في ملتويات هذا الوادي الذي لايزيد عرضه في بعض المناطق الا من عرض السيارة التي نركبها فقط ولكن من أعلى فهو قد يصل عرضه الى اقل من متر واحد فهو عجيب الصنعة غريب التكوين قد كونه الباري عز وجل فسبحانه . مدخل وادي (طيب الاسم) والماء الذي يجري داخل الوادي وبتدفق عظيم يرى من الآثار الواضحة في تعري الصخور وانحدار الأخرى . والماء ينبع من خلاله طوال العام ولكن في بعض المناطق يزيد عن غيرها ، وقد سرنا خلاله فبعض نقاطه تتسع فتكون ساحة تصل لثلاثين مترا ، وكان أهالي المنطقة قد زرعوا في بعض نقاطه التي تكون صادرة عن المياه الجارفة بعض أشجار النخيل وقد حفر في بعضها بعض الآبار . والمسير خلال هذا الوادي ممتع جدا فترى جدران الوادي المرتفعة الشاهقة الارتفاع من اسفل متباعدة ومن القمة تكاد تكون متلاصقة في بعض النقاط ، واشجار النخيل التي زرعت أو استزرعت خلال هذا الوادي والنسيم العليل الذي يهب خلاله وجداول المياه التي تصب في اراضيه فتكون البرك الجميلة . وسرنا حتى وصلنا الى نهاية الوادي الذي ينتهي ويصب في البحر الاحمر مباشرة وكان في نهاية الوادي المحاذي للشاطئ بعض الأشجار التي زرعت وبها آبار مياه مبنية من الأسمنت وقد كان آثار السيول القديمة والحديثة قد جرفت جذوع النخيل الملقاة يمنة ويسرة وبعض هياكل السيارات التي جرفها السيل من أعالي الوادي الى محاذاة الشاطئ . المرور خلال الوادي العجيب والمهيب وقد قارب النهار على الانتهاء فعدنا أدراجنا وسرنا نحو بداية وادي الطيب اسم والى نهاية الوادي الضخم المؤدي لوادي الطيب اسم وجلسنا هناك حيث وجدنا بعض الكهوف ناحية الجهة الشمالية فصعدنا نحوها لعلمنا بوجود ضواري من ضباع وذئاب في المنطقة ، ووصلنا الكهف وكان معي مسدس محشو وجاهز للرمي استعدادا لأي مفاجأة غير محمودة ، وباليد الأخرى كشاف نور قوي من نوع مكلايت ووصلنا الفتحة ونقترب ببطء حتى لا نثير أي حيوان قد يكون بداخله وعند وصولنا فتحت الكشاف في يد والمسدس وإصبعي على الزناد في اليد الأخرى حتى كشفنا الكهف فاذا به فارغ ولكن الأثر الذي فيه يدل على مبيت أحد الحيوانات التي حفرت داخله فسحة للجلوس ، ثم عدنا من حيث اتينا ولم نحضى بلقاء أحد الضواري الذي كنا نود أن يكون لنا معها لقاء ولكن ودي. نهاية الوادي التي تصب في خليج العقبة نزلنا من الجبل إلى اسفل قرب المزارع وحول النخيل واشجار الطلح الكثيفة وقد لاحت لنا احد افرع من شجرة الطلح وكانت يابسة وهي متدلية من الشجرة فلم ندع الفرصة واخرجت المنشار واقتطعت جزءا طيبا يؤمن لنا دفئا وتجهيز لوجبة العشاء. المؤلف حين اقتطاع فرع من شجرة الطلح في مدخل وادي طيب الاسم وقد اقترب موعد وقت الغروب فأذنا لصلاة المغرب وتوضأنا وصلينا المغرب والعشاء جمع تقديم ثم انطلقنا للعودة الى مدينة البدع وسرنا عائدين من نفس الخط وعلى الوادي الكبير الوعر.