مشوار بعيد ومجهد ولكن التكوينات التي نراها أمتعتنا وأنستنا التعب والنصب ...
فها أنا الآن مقابل جبل فريد وقد احتل مكانة مميزة بوسط الحرة بشموخه وما يميزه بفوهته المسمى عليها فهي كالقدر عميقة بعمق85 متر ومستديرة وأيضا ما يميز هذا الجبل تلك المسايل الحممية (اللابة) السوداء التي أفرغت من فوهته وتجمدت وتحجرت وهي على شكلها الأصلي لم تتغير نظراً لقسوتها وصلابتها وهي بتشكيلات اعجز عن وصف غرابتها فالصور قد تنطق بشيء أكثر وتعبّر عن أشكالها ، فاللّابة المنحدرة من فوهة جبل القدر شكلت تنوعاً من المسايل وعلى أشكال غريبة وكأنها سيول الماء أو كالطين السائل المتدفق وقد توقف الزمن ليشكل مناظر القنوات بمجاريها وقد تشكل بفعل تلك المجاري قنوات مجوفة وبأحجام متنوعة من حجم أنابيب المياه إلى حجم الكهوف المتسعة ذات المسافات الطويلة ، توقفنا عند الطرف الغربي لجبل القدر وبدأ الاستعداد للتسلق في انتعال الأحذية المناسبة واستخدام العصي للمساعدة فكان الوقت اللازم للوصول إلى قمة الجبل مقدار ساعتين متوسط الشخص العادي وقد وصل القمة أحد المجموعة وهو الأخ عليان العليان بساعة واحدة تقريبا ويعد هو أكثرنا نشاطاً لصغر سنة واعتياده على المران واكتساب اللياقة وخاصة إنني سمعت عن نيته صعود قمة جبل افرست وتلك لاشك أنها ستكون قمة القمم الجبلية والإعداد لها لن يكون سهلا صحيا ونفسيا ومالياً.
أشياء غريبة وتكوينات عجيبة فسبحان المبدع الخالق المصور وهنا فتحة لأحد التجويفات المتعدد من على سفح جبل القدر وقد تمتد تحت الأرض لمئات الأمتار ..
وهنا يشرح لنا القائد الغفيلي بعض تصوراته للمنطقة وبعض التكوينات العجيبة ونحن نسير للقمة ...
تكوين أشبه ما يكون لنبات الفقع ولكنه متكون نتيجة الغازات التي خرجت من الصهارة وقت تكوينها قبل آلاف السنين ...
وصلنا لقمة الجبل المسمى القدر ونحن في منتهى التعب فقد رميت بجسدي على الأرض في قمة الجبل من دون النظر إلى فوهته العجيبة حتى ارجع أنفاسي وارتاح قليلا وبعد دقائق وبعد انتظام التنفس ورجوع نبضات القلب إلى وضعها العادي استخرجت فاكهة البرتقال وكنت وضعتها بجيبي وقشرتها واكلتها ووالله وكأنني أول مرّة أستطعم لذة البرتقال في عمري وهو يسيل في فمي كسلسبيل حلو منعش وأنا احمد الله على تلك اللذة ، وكنّا قد جلبنا معنا مياه بقوارير فالعطش في هذا المكان مضاعف مرتين فالجو الجاف وسط هذه الحرّة المتحجرة وجفاف المشي المضني وتسلق الجبال ولكن بوجود الجماعة سهّل وجودهم الأمر وشجعنا للاستمرار حتى بلوغ القمم ولله الحمد ، وها أنا فوق قمة جبل اسود عجيب بفوهته عجيب بسيلان الحمم البركانية التي شكلت على صفحته آيات بينات لتشكيلات عجيبة غريبة .
ومن هنا رأينا فوهة القدير الكبيرة الحجم والتي لم نذهب اليها واكتفينا برؤيتها من بعيد وقد اهتديت بصورة أخونا رسلان للفوهة بالميزة البانورامية .
فوهة القدير من تصوير أخينا رسلان أحمد الرثيع
أكتشافنا انا ومرير كهف بطول(250متر) تقريبا عند سفح جبل القدر.
تم ولله الحمد تسجيل اكتشاف كهف رائع وبحجم كبير وممتد من الغرب إلى الشرق عند سفح جبل القدر وهو من صنع اللاّبة البركانية التي شكلت تجويفا هائلا بأتساع خمسة أمتار عرض وبارتفاع متفاوت بين متر والثلاث أمتار وبطول متقطع نظراً للانهيارات لسقف الكهف ولكن بلغ طول اكبر مسافة مسقوفة قطعناها تقريباً 250 متر وللكهف مسارات لم يتسنى لنا أنا والأخ أبو عبد الرحمن لبلوغ منتهاها وذلك لوجود مهمة تسلق الجبل وانتظار الأصدقاء خروجنا لإكمال المسير ، وقد يكون في المنطقة العديد من تلك الكهوف وقد يسهل الله لنا اكتشافها لاحقا برحلات قادمة .
دخول الكهف المستكشف ومحاولة سبر أغواره أنا والغفيلي ..
فتحة كبيرة ويتقدم أبو عبد الرحمن الغفيلي لتواجد الإنارة لديه ..
ونتقدم ليبدأ الظلام الدامس نتلمس طريقنا بحذر والحمام يتخطفنا هاربا من تواجدنا..
وعند نقطة في العمق يبدأ الكهف بالتفرع ونختار الأكبر مدخلا ..
وبعد مسير نحو 250متر ارتأينا الخروج من فتحة ضيقة والإعداد مستقبلا لاكتشاف طوله وما يخبئه لنا من مفاجآت...
أن دخولنا الكهف الأرضي في وضح النهار يحتاج لاستجلاب إنارة صناعية حيث السواد والظلام الحالك داخله وللعقبات الكثيرة من صخور أسفل منّا ورسوبيات ساقطة من الكلس فوق رؤوسنا تجعل من السير وسط هذا الكهف غير يسيره ويغلب على الكهوف البركانية تشكيلها المقوس للسقف ونوعية الصخور السوداء المتكونة من حمم بركانية وترسبات كلسية ذات شكلين أحدها تلك الموجودة في قاع الكهف وهي بيضاء وسط سواد وذات بنية هشة جداً والثانية ترسبات معلقة ومتدلية من سقف الكهف ومنها نوعين قاسية وهشة فالهش تتثلم بمجرد تحريكها والأخرى قاسية جدا وهي الخطرة على الرؤوس ، ومن الحيوانات التي رأيناها في هذا الكهف الحمام البري (الزراقي) وقد اتخذ مغارات الكهف أعشاشاً هرباً من الحر صيفاً والبرد شتاء ومن الافتراس من قبل المفترسات عموماً ، خرجنا من فتحة أخرى غير التي دخلنا منها وان تعددت الفتحات ولكن ليست كلها تصلح للدخول والخروج وقد مكثنا نصف ساعة تقريباً وكان بانتظارنا بقية الإخوة لنكمل بعدها المسير نحو القمة لجبل القدر.
محاولة صعبة للخروج لفتحة ضيقة رأينا النور من خلالها وتنفسنا الصعداء....
لابد من توثيق جميع الحالات وحالة الخروج هذه ليرى قارئنا العزيز تفاصيل الحدث..
وأما هذه الصورة فما هي إلا استعراض فسامحونا J
كان الوقت المقدر لصعود قمة جبل القدر والنزول منه أربع ساعات وهذا متوسط الوقت لمشي متوسط ليس بالسريع ولا بالبطيء وعند انتهائنا ونزولنا كان بانتظارنا أثنين من الإخوة البسام والواصل لم يكملوا المسير وقد اعدوا لنا مشكورين القهوة والشاي وشيء من الخبز المعرّق بالبصل والطماطم وبعض البهارات فكانت جلسة طيبة واستراحة لننهيها بالصلاة والاستعداد للمضي جنوباً عبر الحاجز البركاني الممتد من جبل القدر لنقطعه عبر جبال حلاة الشحم وصولا للجبل الأبيض والبيضاء ، فصلينا الظهر والعصر جمع تأخير وتحركنا بمحاذاة اللسان البركاني لنتخذ منه
تشكيلات كثيرة يصعب علينا الإتيان بها كلها ولكن هذا غيض من فيض لمثل تلك الغرائب..
القنوات البركانية المنحدرة من قمة جبل القدر وهي شكل مصغر للكهوف البركانية مثل التي رأينا أنفاً...
ولله الحمد والمنة وصلنا بعد جهد وعناء لقمة جبل القدر الذي يرتفع نحو2090متر عن سطح البحر ..
صورة مقربة لفوهة بركان القدر العميقة 85متر وأنا على حافته ..
ونظرة من زاوية أخرى للفوهة الكبيرة الحجم والعميقة ...
وتم الأمر بعد وصولنا لمكان الانطلاق وقد اعد لنا عبد العزيز الواصل مراصيع طازجة وإبريق من الشاي أزال عنّا كل التعب ...
وصولنا لجبل الابيض الاعلى بارتفاع2092متر
توسط الحرة الجبل المسمى الأبيض وهو اعلي قمة بالمنطقة إذ يبلغ ارتفاعه نحو 2200متر فوق سطح البحر وهو بهذا الارتفاع يقسم الحرّة إلى قسمين شرقي وغربي وهو تقسيم لمسيل الوديان فمن الشرق تتجه الوديان لتكوين منابع الوادي الكبير وادي الرمة ومن هنا مبتداه ومنشأه وأما من الغرب فوادي الجول والذي يغذي وادي خيبر والحمض وهذه معلومة رأيناها بأعيننا حيث التشكيلات والمجاري للمنطقة ترى بوضوح ، وجبل الأبيض أسمه من لونه فبياضه الغريب وسط الأرض والجبال السوداء يعد شيئاً فريدا وغريبا بل ويعد من غرائب البراكين البيضاء بالعالم هو وشقيقه الأصغر الأبيض بتشديد الياء ، وقد ارتقاه أخونا أبو عبد الرحمن ويصف لي رؤيته بأنه سقف المنطقة ومنه يرى الجبال المحيطة بسهوله وفوهاتها البركانية ولكن لتسلقنا جبال القدر والأبيض لم تعد لنا قوة لإكمال التسلق لجبل الأبيض واكتفيت بما ينقله لنا أخونا مرير أبو عبد الرحمن الغفيلي فيصف لنا صعوبة تسلقه فهو ليس بالسهل فبالإضافة لارتفاعه الشاهق فهو محاط بسفح من الحصى الغير ثابتة والمتحركة ومما وصفه لتسلق الجبل انه كان يستخدم كلتا يديه ورجليه لشدة الانهيار في تربة الجبل الهشة وهو صعّب الارتقاء وضاعف الجهد ولكن الجائزة لرقيه كانت من أمتع الجوائز للنظرة الرائعة للمنطقة من حوله ومشاهدة التكوينات البركانية الملونة فذاك ابيض وهناك احمر وسط سواد مسيطر للمنطقة وفوهات وكأنها سطح القمر وقد تناثرت النيازك لتشكل لوحة من الدوائر العجيبة والمتنوعة الأحجام.
بعد الاستراحة القليلة وأداء صلاة الظهر والعصر جمع تقديم واصلنا المسير من سفح جبل القدر والى الجنوب منه متجهين نحو جبل الأبيض الجبل الأعلى بالحرة على الإطلاق 2200متر وهو الفاصل لأودية الشرق والغرب والتي تتجه غرباً إلى البحر الأحمر وشرقاً لوادي الرمة ، وكان الطريق إلى الجبل المسمى الأبيض لبياض تربته البركانية عقبة اللابة المنصهرة والتي تعترض مسيرنا للجنوب فهي عبارة عن أمواج من كتل اللابة المتحجرة والسوداء والمنسابة من براكين القدر والقدير لجهة الشرق والتي لم نجد مناص من اختراقها في نقطة وعرة ركبنا فيها فوق تلك اللابة بالسيارات لنصل لسفح الجبل الأبيض ذو التربة اللينة والتي اختلف عنده طبيعة الأرض من سواد وقفر إلى بياض وحياة لأشجار السمر والطلح والرمث فسبحان من صور وخلق .