الحلقة الثالثة من عرض كتابي تبوك ورحلة بين جنباتها اليوم الثاني : ومن الصباح الباكر أغلقنا الحقائب وربطنا عفشنا وكان معاذ قد جمع الحطب وأوقد النار ووضع الماء على النار للوضوء لصلاة الفجر فصلينا وجهزت الفطور وهو عبارة عن الحليب والشاي وبعض المعلبات . وبعد الفطور سرنا للغرب من جديد إلى ان وصلنا محطة غزالة وهي محطة صغيرة وتزودنا بالوقود وتحدثنا مع أفغان يعملون بها وسألناهم عن المنطقة . ثم رأينا جبلا عن يمين الخط يقال له جبل الخرم فاتجهنا نحوه لاستكشاف ماحوله وهو يبعد عن الخط نحو 30كم ودرنا حوله وقد كانت الارض ممطرة فمناقع المياه جليه ورأيت الأغنام ترعى حوله فشاهدنا احد الرعاة يمشي مسرعا حتى انه لم يتوقف لدعوتنا ولا للسلام فدعوناه وكان هذا من أسلوب زميلي معاذ انه يسأل عن المكان واسمه ومعلومات قد نستفيد منها وخاصة ان الرعاة هم أدرى الناس بالمنطقة ومن حيث وجود الحيوانات وأنواع الأشجار وقد يكون معرفة بعض الأماكن التي تستحق ان ترى كأبيار ماء قديمه أو آثار أو تشكيلات طبيعية لايعلمها كثير من الناس , المهم ان الرجل لم يقف الا بعد ان ذهب زميلي واستوقفه وحاول ان يسأله بعض الأسئلة ولكنه عديم الفائدة وكان الراعي مصري الجنسية والعادة نرى رعاة سودانيين الجنسية فهم طيبوا المعشر فيهم من الصفات الجيدة الشيء الكثير. وعلى هذا لم نأخذ خير ولا شر من هذا المصري , وسرنا حتى وجدنا احد الشعبان وبه شجر الطلح فوجدنا بعضها أو بعض أغصانها قد يبس فاحتطبنا منه بعض الشيء لحاجتنا في الطبخ والدفئ وسرنا بعدها لتكملة مشوارنا حول هذه التشكيلات الجبلية فكانت الارض صخرية عبارة عن رمال متحجرة والأرض الخالية من الجبال بها مسطحات صخرية تتخللها التجاويف فينمو بها الزرع نتيجة وجود التراب بهذه الأخاديد فيتكون منظر جميل عبارة عن مساطر من الزرع كالحدود التي تزرع حول المزارع ولكنها مزعجة من ناحية المسير بالسيارة فالوعورة تجعل المسير بين هبوط ونزول , وبعض المسطحات الصخرية العارية تحتوي على مناقع للمياه بفعل الأمطار الحديثة فتعطي للمكان حياة , وحين توقفنا عند احد هذه المناقع ونزلنا نتجول حولها أمعنا النظر فاذا بها تحتوي على حيوانات غريبة منها حلزوني والثاني دائري وله ذيل وحوله ارجل عديدة وآخر على شكل الخنافس ومنها لايكاد يرى من صغره فعجب…!! وسبحان الله على خلقه وعلى تكون هذه الأحياء المائيه من شبه عدم ولو انها قد تكون في حالة بيات حتى وصول المطر فتحيا من بعد سبات طويل . المؤلف في أحد مناقع المياه حول جبل عرنان وسرنا نحو الطريق العام حائل العلا عند احد الكثبان الرملية رأينا حمارا لأحد الرعاة وقد وقف بين الأشجار وقد نجد من الراعي بعض الفائدة افضل من الراعي السابق وإذا نحن نبحث عن مكانه فاذا به يأتي من ناحية احد المنحدرات وقد كان سوداني فاستبشرنا خيرا بحسن الاستفادة وقد كان رجلا كريما فقد قدم لنا لبن من البان الماعز الطازج اللذيذ وقد عبأه في جالون ليكون زاده اثناء اليوم وقد قدمنا ما عندنا من عصير وكيك وبعض الفاكهة وتجملنا معه بعد ان أكرمنا باللبن الذي لا يوجد ألذ منه في الطعم وقد تحاورنا معه والفريد انه جامعي من جامعة الخرطوم تخصص جغرافيا نفس مؤهل زميلي معاذ وقد أفادنا كثيرا عن المنطقة مع انه نزل بها جديدا قبل أسبوع واحد ولكن كان رجلا مفيدا حتى رغم قصر مدة أقامته , فحدثنا عن الشملي وعن مراعيها الوفيرة وعن طبيعة الارض وعن رؤية الحيوانات ، كما حدثنا عن رؤيته للأرانب في بعض الأحيان تنفج ( تقفز ) من الأشجار يمنة ويسرة وعن وجود الذئاب في الجبال الشمالية للشملي وانه قد حُذر منها وقد كان في مكة قبل أن يأتي راعي عند أهل المنطقة ويود الذهاب الى منطقتنا بعد ان ارتاح لحديثنا عنها وهي الخبر والدمام وقال : انه يوجد له أقارب يعملون مدرسون في الشرقية ويود الذهاب إلى هناك للعمل وتغيير مهنته الشاقة ولو لم نكن ذاهبين للشمال لكان يسعدنا وجوده معنا ولكن سلمنا عليه وودعناه مع تمنياتنا بلقائه فقد كان طيب الحديث والمعشر . وسرنا نحو الجنوب حتى وصلنا الشارع واتخذنا الغرب باتجاه المثلث فوصلنا التقاطع الذي يؤدي غربا للعلا وجنوبا لخيبر والمدينة المنورة وشمالا الجهرة وتيماء وتبوك ، فاتخذنا الخط الشمالي وبعد 5كم تقريبا وصلنا الى قرية الجهرة وهي قرية على الشارع العام بها جميع الخدمات من ورش ومحطات وقود وبقالات ومطاعم وخدمات أخرى يحتاجها المسافر وأهل البادية المتواجدون حولها . الوصول لمدينة تيماء فتوقفنا لتعبئة الوقود ثم سرنا نحو الشمال فكان الطريق عبارة عن مرتفعات جبلية متوسطة الارتفاع والأرض ترابية صخرية حتى اقتربنا من مدينة تيماء التي تبعد عن الجهرة 107كم والمدينة لاترى إلا إذا اقتربنا منها لأنها قد عمرت في مهبط بين مرتفعات فلا ترى المدينة الا بعد النزول اليها من المرتفع فتراها بنخيلها العجيبة ذات الطول الشاهق فنخيلها طويل جدا اما جذعها فهو نحيف بحيث الرجل المتوسط يستطيع ان يطوقها بيديه، وتيماء مدينة كبيرة بها من المناطق الأثرية الكثير ومن أبرزها بئر هداج التي تتميز بكثرة مائها وكثرة روادها سابقا والى الآن. جدران بئر هداج ويرى السواني على حافته وهي بئر عظيمة فقد بنيت حولها السواني القديمة ويصل عددها أكثر من عشر تقريبا وهذا دليل على كثرة روادها اما الآن فسحب الماء من الأنابيب التي تضخ المياه عبر اللآلات الحديثة والبئر قديمـة جدا قد يصل عمرها قبل الإسلام ، وبها حصن ابن رمان الذي عاصر الملك عبد العزيز وهذا الحصن أو القلعة محافظة على شكلها القديم الا من بعض الدور المهدمة والأسوار التي كانت ممر السيل , والأبواب العظيمة التي تفصل بين أقسام القلعه وكان أبرزها باب أظن انه باب المسكن الخاص للقلعة ويتميز بوجوده بمكان لا يتسع لأكثر من شخصين ووجوده في مدخل منزو حتى على ما أظن أنه حين الهجوم يصعب اقتحامه لعدم وجود ساحة امامه تهيئ للجنود المغيرون قذفه بخشب أو غيره من أدوات الهجوم كالمدكة للحصون. والباب مصنوع من الخشب ومغطى خارجيا من صفائح الحديد السميكة . والقلعة عبارة عن مدخل شمالي يفضي الى الديوان والمجالس ومدخل شرقي غير رسمي به المزارع واشجار النخيل التي تصل في طولها اكثر من 25م تطل على القلعة من فوق الطابق الثاني ، وقد زارها الشيخ حمد الجاسر قبل ثلاثين عاما ونقل انطباعه عنه بقوله( وهو قصر كبير مبني من الطين على طراز قصور ابن رشيد التي كانت بحائل ويتكون هذا القصر من سور خارجي مرتفع تتوزع عليه الابراج ، ويفضي مدخل القصر الى دهليز واسع بجانبه مكان القهوة وهو مجلس كبير ذو سقف مرتفع ،والى يمين المجلس يوجد مسجد القصر، كما يضم القصر من الداخل ساحة واسعة اقيم على ضلعها الغربي حجرة بمرافقها لنزول الضيوف ، ويفتح باب في الضلع الشرقي للساحة الداخلية يؤدي الى قسم يقيم فيه الأمير وأسرته، متصل بحديقة كبيرة واقعة في شرقه ،وقد ظل القصر مقرا للإمارة في العهد السعودي ) .. هذا ما دونه الشيخ الجاسر في كتابه " في شمال غرب الجزيرة" ص 415 وذلك خلال إمارة الشنيفي لمدينة تيماء . البوابة الرئيسية لقصر بن رمان وبالمدينة سور قديم قد يكون قبل ازمان ساحقة ايام الرومان أو غيرهم . وهو يحيط بالمدينة شرقا وجنوبا بأثر واضح . ومن الآثار القديمة التي سرقت مسلة تيماء الأثرية التي هي الآن من مقتنيا ت متحف اللوفر في باريس عاصمة فرنسا. ولكني من خلال قراءاتي لكتب الرحالة وجدت أن الذي سرقها هو المستشرق الألماني اويتنج الذي عبر إلى المنطقة مع زميل له فرنسي وقد وجدها اويتنج خلال تجواله في تيماء وأودعها عند أحد الأصدقاء لحين عودته من رحلته ولكن حدث أمر غيَر الخطة مما جعل اويتنج الألماني يوصي زميله الفرنسي بإحضارها أليه بمدينة جده لعدم استطاعته الرجوع إلى تيماء وفعلا اخذ الفرنسي المسلة وفي طريق عودته داهمه أحد الطامعين بما يحمله وكانت نهايته ولكن المسلة وبعض ألا ثريات لم تنهب لأنها عديمة الفائدة حسب ظن المهاجمين ، وقد عرف القنصل الفرنسي بمقتل مواطنه وقد جلبت إليه ماكان بحوزة المقتول من آثار والمسلة معها ، ولما عرف اويتنج المستشرق الألماني بمقتل زميله وان المسلة صارت بحوزة القنصلية الفرنسية بجده طالب بها فما كان من القنصل إلا أن استعجل بإرسالها بالبحر إلى باريس خوفا من المطالبة بها ، وفعلا تم نقلها وهي الآن من ممتلكات متحف اللوفر في باريس وقد زرت المتحف فألقيت نظرة على المسلة المسروقة من أرضنا . صورة من داخل القلعة وخلال زيارة المستشرق الفرنسي لتيماء عام 1884م ذكر أن بها ثلاث أسواق وهي سوق العلي للشيخ ثويني بن رمان ، وسوق الماضي للشيخ فهد الطلق ، وسوق الحمده للشيخ طالب العايد كما ذكر أن بها 300 منزل ، وان قصر ابن رمان وبئر هداج يمثلان مركز المدينة " نقلا عن د.علي غبّان كتاب الآثار الإسلامية في شمال غرب الجزيرة ص269 وخلال تجوالنا في المدينة رأينا بعض الأبراج الدائرية والتي عادة تستعمل للمراقبة ويسميها اهل المنطقة " مناطر"الطاء بدون نقطة ، وذكرها المؤلف محمد التيمائي بكتابه " تيماء " في صفحة 109 بقوله منطار السعيدات الواقع في منطقة المذرعية ، ومنطارا كايد والحامد ويقعان في الجهة الشمالية لتيماء ، ومنطار سرمدا الذي يقع في منطقة الطعيس شمال غرب بئر هداج . مدخل السكن الداخلي لاسرة الحاكم لقلعة ابن رمان وبعد صلاة العصر خرجنا من تيماء التاريخية نحو الشمال الغربي نحو تبوك التي تبعد 265 كم فوصلناها مساء فنمنا قبلها للاستطلاع عليها صباحا 0 وهنا نتوقف لليوم التالي من الرحلة لنستعرض بعض ارائكم وملاحظاتكم واستفساراتكم وسلامتكم