الموضوع: :: نزهة عميان ::
عرض مشاركة واحدة
قديم 18-07-09, 11:26 AM   #1
احمد الثقفي
 
افتراضي :: نزهة عميان ::

كان أحد سائقي الأجرة الوانيت ( البكب ) الذين يمتهنون تأجير سياراتهم للنزهات ولحمل الأمتعة من مكان إلى مكان، أو توصيل بضائع من بلد إلى بلد.

وفي أحد الأيام جاء إلى هذا السائق ( قائد السيارة ) رجل أعمى وبعد السلام عليه، قال له أريدك أن تحملنا بسيارتك أنا ومن معي في نزهة إلى البر وكان ذلك بعد هطول مطر.

رحب السائق بذلك وقال للأعمى أنا جالس هنا لمثل طلبك، ركب معه الأعمى وأوصله إلى منزله ليحمل من معه مع متاعهم، ولم يكن عند السائق أدنى شك بأن الذين برفقة الرجل الأعمى أسرته، وقف عند باب الرجل نزل من السيارة، فتح باب منزله وأخذ ينادي: فلان وفلان عدّ عدة أسماء يناديهم هيا حمِّلوا متاعنا أسرعوا فخرج من المنزل ستة عميان هم رفاقه بالنزهة.
فقال السائق: أنتم أهل النزهة ؟ قالوا: نعم.

فتردد السائق في حملهم ورميهم بالصحراء لأنه قد اشترط عليهم أن يوصلهم إلى مكانهم بالصحراء، ويعود من ساعته ويرجع إليهم قبل غروب الشمس من يومهم، كيف يرمي هؤلاء العميان، يمكن أن يتيه بعضهم عن بعض لو افترق بعضهم عن بعض عدة أمتار، أو تشتعل بهم النيران أثناء طبخهم.

فقالوا: لاعليك.

صاروا يحملون متاعهم في صندوق السيارة، منهم من يحمل الحطب ومنهم من يحمل أواني الطبخ، وآخرون أواني القهوة والفرش.

حرك سيارته بعدما ركبو وبدأوا بالسواليف جميعًا الذين في الغمارة مع الذين في الصندوق، ويتساءلون مانسيتوا شيء من أغراض الرحلة، أنت يافلان أحضرت الذي قلنا لك، وأنت يافلان جبت ذاك الشيء الذي كلفناك بإحضاره، وهكذا يتحادثون بأعلى أصواتهم.

أوصلهم السائق إلى المكان المتفق عليه، ونزلوا وأنزلوا أمتعتهم بحركات لايستطيع المبصر أن يعملها من سرعة الحركات ووضع كل شيء في مكانه، وأخذ كبيرهم يوزع المهمات، هذا للطبخ، وذاك للقهوة، وآخر لغسل الأواني، كل هذا يحدث أمام السائق، وهو يتعجب مما يرى ولم يمر عليه مثله.

استأذن السائق للعودة للمدينة طلبوه أن ينتظر حتى يشرب قهوتهم لكنه اعتذر بأنه متأخر.

قالوا له صحبتك السلامة، لكن أين موقع ماء المطر، قال لهم على بعد مائة متر عنكم، يمين يدك يافلان.

حرك السائق سيارته وبعدما سار بها حوالي مائة متر أوقفها وعاد على قدميه لينظر كيف يعملون ويطبخون.

فقال كبيرهم: أنت يافلان وفلان، اجلسا عند متاعنا وقشرا لنا البصل وقطعا اللحم والطماطم، أما الباقون فهيا معي، أخذ خمسة الرفاق معه ومع بعضهم قدور لجلب الماء، وعندما ساروا عدة أمتار أجلس كبيرهم أحد رفاقه وقال له إذا ناديناك أجبنا، قال أبشروا.

ثم سار بالباقين ، وأجلس آخر على بعد عدة أمتار عن رفيقه الأول وطلب منه مثل ماطلب من الأول بإجابة النداء، ثم ساروا أيضًا كذا من الأمتار ثم أجلس الأعمى الثالث ، وأعطاه نفس التعليمات.

كل هذا يجري والسائق متابع لهم عن قرب، ثم انطلق الإثنان إلى مكان الماء ووجداه كما أخبرهم السائق، عبيا أوانيهما وحملاها على رأسيهما، وعادا وبعدما سارا عدة أمتار صوت الأعمى الكبير يافلان القريب منهما فرد عليهما فاتجها إلى صوته حتى وصلاه، ثم سار الثلاثة وبعد فترة صوت نفس الرجل لرفيقهم الثاني فأجابهم فاتجها نحو صوته حتى وصلوه، ثم اتجهوا نحو الأعمى المعسكر في المكان الأول فأجابهم وهو عن بعد، وكلما ساروا عدة أمتار صوتوا له حتى وصلوه، ثم اتجه الخمسة إلى رفاقهم الباقين حتى اجتمعوا.

وبدأوا بالطبخ وإشعال النيران وإركاب القدر وإبريق القهوة والشاي عليها، كل هذا جارٍ والسائق يراقب ويتعجب.

فلم يفارقهم حتى رآهم جلسوا على البساط وهم يرتشفون القهوة مع التمر ويتضاحكون من الانشراح والأنس.

فانسل السائق وعاد إلى المدينة وهو يردد قول الله تعالى::: إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور::.

وفي المساء عاد إليهم وقد حزموا أمتعتهم إلاّ القهوة مجهزينها لسائقهم، فشربها معهم ثم عاد بهم بعد غروب الشمس، وأخبروه أنهم على هذه الطريقة مع بعضهم من عشرات السنين.

ووضعهم في مكانهم الذي أخذهم منه على أن يأتي كل ابن يأخذ أباه من هذا المنزل أو المكان.
فسبحان الله الذي إذا أخذ من إنسان شيئًا عوضه الله خيرًا منه.


****
اوردها الآستاذ سليمان الطامي في سواليف المجالس
وان شاء الله تحوز على رضاكم








التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


حسابي على تويتر

  رد مع اقتباس