رئيسية المنتدى

ادعم الرحلات في الفيس بوك

الرحلات على تويتر

 
العودة   منتديات الرحلات > المـنـتـــديــــات الأســاســـية > الصحاري

إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-05-08, 08:35 AM   #1
محمد الديحاني
 
افتراضي كتاب التعايش مع الصحراء (الإصدار الثالث) الحلقة الاولى-*حصرياً للرحلات*



بسم الله الرحمن الرحيم


التعايش مع الصحراء



للكاتب العميد/ محمد بنونة.
بعد الإصدار الأول والثاني قام الكاتب العميد/ محمد بنونة بإعداد الإصدار الثالث وقبل طبعه أو نشرة خص منتديات الرحلات حصرياً بهذه النسخة قبل الطبع.



التعايش مع الصحراء

(الحلقة الاول)


هو تكيف الإنسان مع البيئة الصحراوية بتضاريسها ومناخها وأخطارها المختلفة واستغلال الإمكانيات المتاحة له للوصول إلى الهدف الأسمى وهو الحفاظ على حياته.
وهو علم من العلوم التي نشأت حديثا واحتجنا لتدوينه ، أما الآباء والأجداد فقد توارثوا مبادئه وعناصره جيلا بعد جيل وحضارة بعد حضارة واهتموا بذلك كثيرا وكان لنمط حياتهم والتصاقهم بالبيئة السبب الأكبر في اكتشاف وتطور افكار هذا العلم .
فقد عاش آباء البشر أجدادنا الأوائل حياةً وحضارةً بدائيةً فقاوموا ظروف الطبيعة بمختلف بيئاتها وتعلموا كسب معايشهم بإلهام من الله ثم بإرساله عزوجل الملائكة اليهم تعلمهم الحرف والصناعات ثم بالفطرة والذكاء الإنساني أو بالمراقبة والتقليد للبيئة من حولهم وما يعيش بها من حيوانات وطيور . ورغم أن الإنسان على قمة هرم الكائنات الحية وسيدها سادها بالعقل ولكنه احتاجها ليتعلم منها، وحكمة ذلك حتى لا يتكبر ويعلم علم اليقين ان لدى مخلوقات الله حتى لوكانت أقل درجة منه ملكات وعلوم لم يكن يعلمها ومن ذلك تعلمه من طائر الغراب كيف يدفن الميت وقد أثبت ذلك القرآن الكريم على لسان رب العالمين في سورة المائدة ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال ياويلتى أعجزت ان اكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فاصبح من النادمين (31) صدق الله العظيم . وتفصيل ذلك بعد قتل ابن ابينا آدم عليه السلام قابيل لأخيه هابيل ( فلقد كان هابيل أول من قُتل على ظهر الأرض ، وماعرف قابيل كيف يواري جثة اخيه ، فحمله في جراب على ظهره ، وظل مضطربا حائرا قلق النفس ملتاع الفؤاد ، أروَح الميت ( أي فاحت رائحته ) وناء قابيل بحمله ولم يدر كيف السبيل ! هنا لابد ان تهبط رحمة الله رعاية لحق تلك الجثة الطاهرة ، وسناً لدستور الخليقة وإبقاءً على كرامة آدم وولديه ،وهنا لابد ان يكون درس قاس يتلقاه ذلك الغر المأفون ، وماهو بأهل لوحي الله ولا لإلهام الله بل لابد ان يكون تلميذا للغراب ! يتضاءل فهمه أمام حنكة ذلك الطائر الوضيع ، بعث الله غرابين فاقتتلا فقتل احدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره ووارى جثته تحت التراب )1بتصرف . المرحوم باذنه تعالى فضيلة الشيخ/ محمد احمد جاد المولى ، قصص القرآن ، توزيع مكتبة الثقافة مكه المكرمه . 1398هـ - 1978 م ص 14 ومنذ ذلك التاريخ السحيق ومازال الانسان يتعلم بالمراقبة لغيره من الحيوانات ومهما دنت درجاتها في سلم الكائنات الحية فمن ذلك مايرويه الرواة عن نزول قوم من البدو في أرض ببيوتهم ( بيوت البدو هي خيام يغزلونها من شعر وصوف الغنم أوالإبل ) وبأهلهم وحلالهم فمر بهم رجل كبير السن من أهل تلك الأرض وحذرهم من منزالهم وقال لهم انكم نزلتم وبنيتم بيوتكم في وسط واد فاستعجبوا ! واعتقدوا أن هذا الرجل ليس بناصحٍ لهم وربما في نفسه حسد لهم أو حتى لا يزاحمونه على الماء والكلأ في تلك الأرض فسألوه قائلين له وأين الوادي ؟ فقال لقد تغيرت معالم هذا الوادي فهو لم يسيل منذ أكثر من خمسة عشر عاما والعاقل لا يأمن السيل في غير وقته ولا ينزل (أي يسكن ) في وسط الوادي وذكرهم بالمثل الشعبي القائل ( السيل ماينسى جُرّتَه ) والجُرة هي الأثر ولكن هيهات فلم يعيروا لنصيحته اهتماما للأسباب التي ذكرت سابقا ولأن الفصل الذي هم فيه من العام ليس فصل أمطار وكانت السماء صافية . وبعد عدة ايام خرج رجل منهم يمشي على قدميه فشاهد فأرة تنقل صغارها من جحر في الأرض الى مرتفع بعيد فتفكر في السبب وتذكر نصيحة كبير السن وعلم أنه السيل مقبل عليهم فرجع لأبنائه وأمرهم بطي بيتهم ونقل حلالهم من ماشية وابل والرحيل من هذا الموقع الى موقع مرتفع ، ظن اولاده ان احدا من جماعته اغضبه بفعل أو قول فكيف به يبتعد عن جماعته ولا غنى له عنهم بعد الله ! وفي ذلك الوقت ولإنعدام الأمن وشظف العيش لايستطيع الإنسان الحياة بدون الإعتماد بعد الله على قبيلته وجماعته الأقربين ، ولكنه اصر على ابنائه بالرحيل بدون ابداء السبب فأذعنوا لوالدهم . نزل مطر شديد بأرض بعيدة وسال الماء هدارا قويا ووصل سيله الى هذا الوادي فجرّ مافيه من بيوت شعر وبشر وأغنام وإبل وسلم ذلك الرجل برحمة من الله ثم بفطنته ، وهنا سأله أبناؤه عن كيفية علمه بهذا السيل قبل وصوله فأبلغهم خبر الفأرة وقال لهم لم استطع ابلاغكم سبب رحيلنا وابتعادنا عن جماعتنا في ذلك الوقت فربما كنت مخطئا ، ولا يوجد سيل فأصبح اضحوكةً لدى الجميع باتباعي الفأرة ولكنني قررت في نفسي الرحيل فترة من الزمن فإذا لم يحدث شيء عدت الى جماعتنا وكأن شيئا لم يكن .
ورغم تطور أنماط الحياة الانسانية على هذه الأرض فلم يزل البشر بحاجة الى التعلم من البيئة المحيطة بهم ، وما يعيش بها وطبقوا ماتعلموه في أساليب معيشتهم وأكلهم وشربهم وطبهم (فقد تعلم الفراعنة استخدام الحقنة الشرجية من طائر "أبي قردان" الذي يملأ منقاره بالماء ويضعه في مؤخرته في كل مرة يصاب فيها بالإمساك)(1)
وهكذا منح الله الأولين فطنة وذكاء وخبرة وظفوها جيدا وبذلك استطاعوا العيش واختيار مواقع سكناهم والبيئة الصالحة لحياتهم ومن أكبر الأمثلة على ذلك قصة ( أحمد ابو ريشة التي يرويها الشيخ / محمد بن ناصر العمراني عن أبيه عن جده فيقول : إن أول من عمر حُريملاء كقرية مبنية محاطة بسور وحفر فيها الآبار وشق القنوات يوسف بن أحمد أبو ريشة ففي عام ثمانمائة وست وثمانون (886 هـ)قدم من بلاد الشام تنفيذا لأمر أبيه الذي كان رئيسا لاحدى القبائل البدوية هناك. فبعد حروب حدثت في بلاده فكر احمد ابو ريشه ان يترك بلاده ويعود الى موطنه الأول وسط نجد فأمر ابنه يوسف ان يرحل الى نجد ويختار مكانا صالحا لاقامة قبيلته وبيّن لابنه صفات الأرض التي يرغب وهي على النحو التالي :-
أولا :- ابحث عن مكان منيع محاط بالجبال من جميع جهاته وذلك لتسهل حمايته . اذا وجدته عليك بالمبيت فيه .
ثانيا :- ضع قطعة لحم طرية على رأس رمحك فاذا ماطلع الصبح والفيتها لم تتعفن فمعنى ذلك ان هواء المكان بارد والمنطقة صالحة للإقامة والسكنى وخالية من الأوبئة والأمراض .
ثالثا :- كُل عشاك بعد صلاة العشاء ثم نم فان استيقظت صباحا والفيت نفسك تطلب طعام الإفطار فالمكان صحي للإنسان ويساعد على الهضم .
رابعا:- ادفن كتلة من الصوف في الأرض فان وجدتها في الصباح رطبة فهذا دلالة على رطوبة التربة العالية مما يساعد على الزراعة ومن ثم رعي الحيوانات.
خامسا:- احفر حفرة وادفنها بترابها فان زاد التراب عليها فان التربة خصبة وصالحة للزراعة، وهذا يدل على مدى معرفته بالتربة الصالحة للزراعة، إذ اشترط بصورة غير مباشرة أن تكون التربة طينية وبها نسبة من الرمل. ولنكمل القصة وجد يوسف ضالته وشروط والده في حريملاء مضى يوسف ابو ريشة في حفر الآبار وتنظيم القنوات وانشاء المساكن وبناء السور المعروف باسم ( حامي ابو ريشة ) وكان خلال هذه الفترة يلح على أبيه في طلب المزيد من المال معللا ذلك باسباب متباينة وبعد سبع سنوات ضاق احمد أبو ريشة ذرعا بمطالب ابنه المتزايدة ، وتطلع الى معرفة ماوصلت اليه هذه البلدة من تقدم زراعي طالبا منه ان يرسل له شيئا من ثمار اشجارها التي زرع وفوجيء برد الابن انه لايزال منهمكا في الاعمال الانشائية وان النبات الموجود هو الحرمل ولايوجد ثمرة تستحق بعث شيء منها له فغضب الوالد وأمر ابنه بالعودة الى بلاد الشام قائلا عبارته المشهورة والتي ذهبت مثلا يضرب (خل حريملاء في كبد اهلها )(1)
(1) بتصرف ، صالح ناصر الطعيس ، جغرافية منطقة الشعيب ، مدينة حريملاء ، الجزأ الأول 1399هـ 1979م ص14الى ص19
إن الإنسان الحديث رغم حضارته وتقدمه العلمي ، وما لذلك من ايجابيات وما صاحب ذلك من سلبيات في حياته العملية أو العادية عسكرياً كان أو مدنياً حضرياً أو بدوياً جماعة أو فردا لن يستغني ً عن الإلمام بكل أو بعض مبادئ وعناصر التعايش مع البيئات الغير مأهولة . كيف تعيش وتحافظ على حياتك في مثل تلك البيئات ؟ ولأي سبب كان بعيدا عن التجمعات السكانية والحضارة الإنسانية في صحارى رملية أو ثلجية ومناطق جبلية أو غابات شجرية.
ونسمع عن قصص كثيرة مؤكدة ونقرأ في المطبوعات ونشاهد بالوسائل المرئية عن معاناة لأناس وقعوا بإرادتهم أو بدونها في مهالك الخلاء وفي بيئات مما ذكرتها سابقاً، قد يكون من المستحيل على الإنسان العادي التجول في مجاهلها بدون استعدادات خاصة، فكلنا نقرأ عن حالات سقوط طائرات في مناطق جبلية أو صحراوية أو غابات غير مأهولة بالسكان وبعيدة عن المدن ونجاة بعض الركاب وإصابة البعض مما يجعلهم يفكرون في طريقة ما تحفظ حياتهم حتى وصول النجدات.
(فمن ذلك ما حدث في يوم الجمعة الثالث عشر من أكتوبر عام 1972م حين تحطمت طائرة ركاب كانت تنقل فريقاً رياضياً للركبي من (مونتفيديو) عاصمة أوروجواي في طريقه إلى شيلي لأداء مباراة، إلا أن الطائرة سقطت في جبال الأنديز، وهناك وُلدت أغرب قصة لبقاء بعض ركاب الطائرة المنكوبة على قيد الحياة رغم كل الظروف التي أحاطت بهم، تبدأ ملحمة الرغبة في البقاء حيث لا طعام أو شراب وظروف جوية صعبة ورغم ذلك يبقى الأمل في البقاء)
(2).ومُثلتقصتهم في فيلم يدعى (الحي)
ALIVE
ويروي الفيلم سبب سقوط الطائرة لاصطدامها بقمة أحد الجبال بسبب العواصف الثلجية ممانتج عنه تدمير بدن الطائرة وانشطاره ووفاة قائد الطائرة ومساعده ومايقارب من سبعة عشر راكبا وبقي على قيد الحياة اربعة عشر راكبا فقط وبدون علاج أو طعام أو مأوى في بيئة جبلية ثلجية تنخفض فيها درجة الحرارة الى ماتحت الصفر بعشرات الدرجات ومن المؤكد أن البرد الزمهرير القارص مطقطق الضروس ومرجف العظام والمستمر وبدون طعام أو مأوى يسبب الموت الزوءام ومما زاد الوضع سوءً تدمير قمرة الطائرة فلا يوجد أي وسيلة اتصال لطلب النجدة وقد اختفت الطائرة من شاشات الرادارات فجأة قبل أن يتمكن قائدها من طلب النجدة وتحديد موقعها وحتى بعد معرفة وتأكد السلطات المعنية من إختفاء الطائرة لم تستطع إرسال طائرات وفرق للبحث والإنقاذ نظرا للأحوال الجوية السيئة ومع هذه الظروف الصعبة وبعد عدة أيام اضطر الأحياء الى أكل لحوم جثث زملائهم الأموات ومع تثبتهم بأن وضعهم سيزداد سوءً ولن تأتيهم النجدة من الخارج إذا لم ينقذوا أنفسهم هنا تحرك إثنان من المجموعة وسارا على اقدامهما وجابها أهوال جبال الأنديز حتى نزلا على قرية فطلبا النجدة ، وهنا قامت فورا القوات الجوية التشيلية وحال وصول الخبر اليها بانتشال وإنقاذ الأحياء المتبقين .
ولهذا فمهما حافظ الإنسان على حياته بعيداً عن الأماكن الموحشة قد يفاجأ يوماً ما وهو في مكان قفر موحش لا يوجد لديه وسيلة نقل صالحة تساعده في قطع هذه المناطق أو إمدادات وتجهيزات تساعده على البقاء بها وقد يُحتجز في مكان منعزل فلا يستطيع الخروج وتتعرض حياته للخطر.
وأذكر تناقل وكالات الأنباء قبل بضع سنين لانهيار منجم في اليابان على عمال بداخله وبعد حوالي (30) يوماً من أعمال الحفر والتنقيب من قبل فرق الإنقاذ وُجد عامل واحد لا يزال حياً بين جثث المتوفين من زملائه في حفرة بأعماق المنجم لم تردم بالكامل وعند سؤاله عن كيفية بقائه حياً بدون ماء أو طعام خلال هذه الفترة؟ أجاب مع شعوره بالجوع الشديد بدأ يأكل من لحوم زملائه المتوفين بجانبه وطبعاً نيئاً. وهكذا عاش وحافظ على حياته. فالإنسان عند شعوره بالخطر على حياته من الجوع والعطش ينقلب إلى وحش يأكل ويشرب ما وجد والجوع قاهر.
ومع ذلك يجب أن لا نخلط بين هذه الحالات والتي مر أصحابها بظروف قاسية جدا قد يحتاجون وبعد نجاتهم الى علاج جسدي ونفسي ولفترات طويلة وبين ال ( كانيبَلزم )CannibalismCannibal
أي آكل لحم
كلمة انجليزية تعني أكل لحوم البشر والفاعل البشر وهي مشتقة من كاريب وهي اسم لقبيلة بدائية تعيش بجزر الهند الغربية تشتهر بأكل لحوم البشر ، ويوجد غيرها قبائل بدائية مازالت تأكل لحوم المتوفين من افرادها في طقوس دينية وهي معتادة على ذلك ، ومن الطُرف التي تروى عن هؤلاء الأقوام أن رجلا وابنه من أكلة لحوم البشر عاشا على جزيرة غير مأهولة وعندما امتد العمر بالرجل بدأ في تدريب ابنه الوحيد على اساليب التعايش وكيفية حفاظه على حياته على هذه الجزيرة وفي أحد الأيام فوجيء الابن بمشاهدة طائرة تحلق فوق الجزيرة فسأل والده ماهذه؟ فأجابه هذه طائرة فسأل وهل هذه تؤكل ؟ فتأوه الأب قائلا آه نعم نكسرها ونأكل مابداخلها يابني !!
(وابن شوفان "من قبيلة مطير" نزل في دحل الشايب "والدحل مفرد وجمعه دحول وهي كهوف وممرات جوفية تحت الأرض وبعضها تشبه الآبار تفضي إلى أودية وشعاب تحت الأرض ببعضها مياه وأشجار وحيّات وطيور" ( ويُطلق عليها علميا الآن الكهوف الصحراوية )للبحث عن الماء فتاه فيه ولم يستطع العودة، ومن رحمة الله به أن ابن عمه جاء في طلبه وأخرجه من الدحل بعد أن مكث فيه تسعة وعشرين يوماً يأكل من أوراق الشجر وطيور الدحل ويشرب من مائه)(3).
ويوجد أناس أضاعوا حياتهم وحياة غيرهم رخيصة لعدم استعدادهم لعبور المجهول وهم يعلمون أنهم مقدمون عليه أو لارتباكهم واختلاط الأمر عليهم أو لعدم تقبلهم للمشورة وسماع رأي أهل الحكمة و الخبرة فمن ذلك (ملك الفُرس قمبيز وجيشه الذي اختفى بأكمله عام (525) قبل الميلاد وكان يضم خمسين ألف فارس أثناء زحفهم لغزو واحة سيوه بمصر. فقد زحفت الرمال بقوة وعنف وقضت على الجيش بأكمله ودفنته في الصحراء وبعد خمسة وعشرين قرناً تحركت الرمال وكشفت عن بعض الهياكل العظمية لفرسان هذا الجيش ومؤكدة للروايات(4).
ولكن الرجال المحنكين الأذكياء يستعدون لكل شيء ولا تفوتهم فائتة ويعطون القوس باريه ويسألون أهل الحكمة والمشورة، ويضرب لنا أروع المثل على ذلك سيف الله المسلول الفارس القائد المحنك خالد بن الوليد الذي وضع هو ورافع بن عمير الطائي رضي الله عنهما أسس ومبادئ التعايش منذ مئات السنين. (فعند وصول أمر خليفة المسلمين أبو بكر الصديق رضي الله عنه بتحريك خالد بن الوليد ومعه عشرة آلاف جندي مسلم من العراق إلى الشام ونجدة جيوش المسلمين بحوران باليرموك لمجابهة الروم (البيزنطيين). ولحاجة الجيوش التي بالشام لهذه النجدة وبسرعة. اضطر خالد لاختيار الطريق الذي يبعد عن العدو وعيونه رغم أنه صعب ومحفوف بالمخاطر ولكنه أقصر الطرق الموجودة وسيضطر مع جيشه وخيله وإبله إلى قطع (صحراء السماوه) وهي مفازة تمتد حوالي مائة وستين ميلاً كان كل المحاربين وأصحاب القوافل التجارية عبر العصور يتهيبونها فلا يسلكونها خوفاً من لهيب شمسها المحرقة والموت عطشاً لخلوها من الماء.
ولما حزم خالد أمره وعزم على المخاطرة طلب إليه دليلاً فجاءه رافع بن عُمير الطائي رضي الله عنه ويقال له: بن عمرو، وهو رافع بن أبي رافع من قبيلة طي اليمانية يكنى أبي الحسن. وتزعم طيئ أنه هو الذي كلمه الذئب، وكان لص في الجاهلية. فدعاه الذئب إلى اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم، توفى سنة ثلاث وعشرين قبل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
وكان قد سلك تلك الطريق مع والده يوم كان طفل قبل ثلاثين سنة. وشاوره فأشار عليه رافع بألا يسلك تلك الطريق. فقال خالد لابد والله من ذلك فأمُر بأمرك يارافع.
كان رافع بدوياً خارق الذكاء فعندما رأى خالداً مصمماً على العبور وأنه وضع فيه ثقته ليجد حلاً لهذه المعضلة التي إذا لم تحل يستحيل على الجيش أن يصل سالماً إلى الشام ورأى أن خالداً أطلق يده ليأمر بما يراه مناسباً بهذا الصدد. من الله عليه فاهتدى إلى فكرة بتنفيذها ينجو الجيش من خطر العطش. والفكرة التي لم يهتد إليها أحد عبر العصور هي ما يمكن تسميته (بالصهاريج الحية).
أمر رافع بإبل سمان فأعطشها أياماً ثم أوردها الماء فسقاها عللاً بعد نهلْ (علل: شربة ثانية. نهل شربة أولى) حتى امتلأت أجوافها فحزم مشافرها وكممها كي لا تجتر فيتغير الماء في أجوافها "لاحظت في بعض الكتب التاريخية عبارة (فحز مشافرها ) والمشفر من أعضاء الإبل وجمعه مشافر ويطلق عليه شعبيا المهادل وهو بمنزلة الشفة من الانسان ولا يمكن للمسلمين حز مشافر الابل والحز هو محاولة القطع بدون آله حادة مع ترك أثر في الموقع فما الفائدة من الحز ؟ واعتقد انه خطأ مطبعي والأقرب (فحزم مشافرها ) أي ربطها وكمم أفواهها والله أعلم" ثم أشار على خالد بالمسير. فوضع خالد جدولاً زمنياً بموجبه تُنحر الإبل في كل مرحلة، وسار خالد بالجيش من (قُراقر) مجتازاً المفازة إلى (سُوى) وبينهما خمسة أيام بلياليها. فكان يستريح في النهار ويسري في الليل مهتدياً بكوكب الصبح (جاعلاً إياه على حاجبه الأيمن سائراً غرباً لشمال) ويكتفي بالنزر اليسير من الماء فيسقي الجند مما حُمل منه في القرب وعلى ظهور الإبل وينحر عند الحاجة من (الإبل الصهاريج) ليأكل الجند لحمها وتروى الخيل بالماء المختزن في كروشها. أما الوضوء للصلاة فقد أمر خالد بأن يستعيضوا عنه بالتيمم وذلك لحاجتهم الشديدة للماء شرباً إلى أن أشرفت المفازة على نهايتها.
وكان فجر اليوم الخامس وقد نفذ الماء ولم تبق منه قطرة يشربها إنسان أو حيوان وأصبح الجيش برمته عرضة للهلاك عطشاً. وقد وصل الجيش لمنطقة (سُوى) في الصحراء وهي التي ذكر الدليل الطائي أنه يعرف بها نبعاً من الماء ورده صغيراً. فطلبه خالد، وكان رافع الطائي دليل هذه الحملة قد أصابه الرمد أثناء المسير إلى درجة أنه لا يبصر من شدة الرمد، ولكنه كان خِريتاً حاذقاً( أي دليلا ماهرا يعرف دروب الأرض ) وذا ذكاء خارق. فسأل عن المنطقة التي هم فيها؟ فأُخبر أنها (سُوى) فقال: خيراً، أدركتم الري وأنتم على الماء. ثم نادى أيها الناس انظروا علمين كأنهما ثديان "والعَلَمْ في لغة العرب الجبل كما تمثلت تماضر بنت عمرو ( الخنساء ) حين تمدح وتصف أخاها صخرا فتقول ( وان صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار ) ويطلق شعبيا على هذا النوع من الجبال لدى الباديه مصطلح ( النهيدين ) " فلما وجدوهما قال لهم: أنظروا هل ترون شجيرة عوسج كقعدة الرجل؟ (قالوا ما نراها!! قال: هلكتم إذن، وهَلَكْتُ لا أبالكم، اضربوا يمنة ويسرة فوجدوا الشجرة وقد قطعت وبقيت منها بقية، فقال لهم: احفروا في أصلها، فحفروا ونبع الماء. فحمدوا الله وشرب الجند والخيل والإبل. وبعد الخروج من مفازة (سُوى) بالسماوة لم يعد هناك خطر على الجيش من ناحية الماء أو الغذاء أو الكلأ فقد اتصلوا بالعمران وبالشام.
ونتعلم من هذه القصة وتجربة الصحابة رضوان الله عليهم جميعا ونستفيد الكثير من المبادئ التي وضعها خالد بن الوليد ورافع الطائي رضي الله عنهما في التعايش مع الصحراء ، فمن ذلك ما وضحه العميد الركن/ ياسين سويد في كتابه (معارك خالد بن الوليد) فقال:
إن التدابير التي اتخذها خالد في سيره هذا تبعث ولا شك على الدهشة والإعجاب:-
1- فقد أوجد للمرة الأولى في التاريخ بل وللمرة الوحيدة فيه (الإبل الصهاريج) التي نقلت الماء على ظهورها وفي بطونها. فكان يسقي الجند مما على ظهورها والخيل مما في بطونها.
2- لم يسر في الصحراء دون دليل فكان دليله رافع بن عمير الطائي.
3- استعمل خالد في اجتيازه المفازة (البوصلة الطبيعية) أي نجمة الصبح إذ جعلها رافع على حاجبه الأيمن وسار غرباً لشمال حتى بلغ نقطة الوصول.
4- اعتمد خالد خطة النبي صلى الله عليه وسلم في السير للقتال إذ كان يكمن في النهار ويسير في الليل لا خوفاً من العدو بل خشية لهيب الصحراء وشمسها.
5- حرص خالد في سيره على أن يكون جيشه خفيف الأحمال قابلاً للتحرك بسرعة حتى إذا ما فوجئ بعدوٍ استطاع أن يمتلك حرية التصرف والمبادرة دون أي عائق)(5).


يتبع قريباً........









التوقيع
يالله شف وجهي على الأرض ناجاك * مـخـافـت مــنــك وحــــب إسـتـقـامـه
في تالي الجمعه سجـد يبغـي رضـاك * لاتـحـرمـه عـفــوك نـهــار الـقـيـامـه



التعديل الأخير تم بواسطة محمد الديحاني ; 28-05-08 الساعة 11:28 AM
  رد مع اقتباس
قديم 05-05-08, 10:54 AM   #2
حمد الجبيرى
 
افتراضي

اخوي ابو زايد جزاك الله خير على الجهد المميز وبارك في جهودك (الشكر والتقدير لسعادة العميد .محمد بانونه على العمل الرائع الذي فيه المعلومات الظروريه للتعايش اسئل الله ان يجعله في ميزان حسناته )








التوقيع
الآدمـي تـكـشـف مع الوقــت خافيه
ويبين لك طـيـب الرجـل من خماله
لا طـالـت الـخــوه ظهــر كل ما فيه
وعـرفـت دقــه وقــتـها من جــلاله
أما طــلـع خــويـك الـلـي تــخـاويه
والا سـمـحــت وقــلـت مالي وماله
  رد مع اقتباس
قديم 05-05-08, 11:05 AM   #3
يعقوب الوهيب
 

 رقم العضوية : 19
 تاريخ التسجيل : 22 - 1 - 2007
 المشاركات : 1,739
 الحالة : يعقوب الوهيب غير متواجد حالياً


من مواضيعي
» === زعلان ===
» === اللهم حواليهم لا عيلهم ===
» === قوقل يوصل الاحباب ببعضهم ===
» === جعل من يجبر المكسور بالجنة ===
» === خير الناس انفعهم للناس ===

افتراضي

احسنت يا ابا زايد
وجعل الله سعيك في ميزان حسناتك
موضوع مهم للجميع
والعميد بنونة غني عن التعريف
فله خالص الدعاء بالصحة والسلامة








  رد مع اقتباس
قديم 05-05-08, 08:18 PM   #4
محمد المعارك
 

 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل : 21 - 1 - 2007
 المكان : السعودية - القصيم
 المشاركات : 9,310
 الحالة : محمد المعارك غير متواجد حالياً


من مواضيعي
» نرحب بكم مرة أخرى مع عودة المنتدى
» تهنئة بعيد الفطر المبارك 1437هـ
» غامرة بعد عالية ..
» "سابغة" اسماَ للحالة المطرية الخامسة لهذا الموسم 2015-2016م
» نقوش ورسومات عين علياء

افتراضي

أخي ابو زايد
قرأت ما سطرته يمينك في هذا الموضوع
واستفدت فائدة عظيمة وخاصة قصة خالد بن الوليد .. ولنا في صحابة رسول الله أسوة حسنة.

الشكر الجزيل لك اخي الفاضل والشكر موصولاً للعميد محمد بنونة.

بارك الله فيك.








  رد مع اقتباس
قديم 06-05-08, 03:46 AM   #5
البجلي
 
افتراضي

مشكور اخوي ابو زايد على هذه المقدمه الرائعه
والشكر موصول لمؤلف الكتاب العميد محمد بنونه
جزاكما الله خيرا
تقبل تقديري








التوقيع
ابوفهد
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

A.K.H
تسلم يمينك
  رد مع اقتباس
قديم 27-05-08, 05:44 PM   #6
mbr
 

 رقم العضوية : 639
 تاريخ التسجيل : 24 - 7 - 2007
 المشاركات : 7
 الحالة : mbr غير متواجد حالياً


من مواضيعي

افتراضي


بارك الله فيكم على المعلومات القيّمة

وشكراً لسيادة الأخ العميد على جهوده .. آجره الله عليها
والسلام







  رد مع اقتباس
قديم 08-06-08, 09:40 AM   #8
عصا الترحال
 
افتراضي

كتاب مهم ومفيد
وقد أطلعت عليه
ومثله وقد يكون أروع منه كتاب البقاء ( العيش في الظروف الصعبة ) مترجم








  رد مع اقتباس
قديم 18-06-08, 05:40 AM   #9
الرمحي
 

 رقم العضوية : 1758
 تاريخ التسجيل : 1 - 2 - 2008
 المشاركات : 8
 الحالة : الرمحي غير متواجد حالياً


من مواضيعي
» اريد خريطة القصيم عاجلاً

افتراضي

ليت العميد ينشره بعدد كبير حيث اصداراته السابقة نفذت مجرد صدورها

وليت يهتم بطرق الملاحة البرية وغيرها والتعامل مع الخرائط

ولسعات الثعابين

وقوات الصاعقة ما تخفها هذه الامور








  رد مع اقتباس
قديم 18-06-08, 09:07 AM   #10
Abu Ibrahim
 

 رقم العضوية : 1557
 تاريخ التسجيل : 31 - 12 - 2007
 المكان : الرياض
 المشاركات : 3,552
 الحالة : Abu Ibrahim غير متواجد حالياً


من مواضيعي
» المنشآت المفرغة ذات البوابة بين القبر والصيد
» ماذا تلاحظ على الصورة
» انصار السلة الخلفية
» افضل محول كهرباء ؟؟؟؟؟
» رحلة حول العالم بسيارة تعمل على الطاقة الشمسية

افتراضي

الأخ الغالي ابو زايد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مشكور على المقدمه
مشتاقين للجديد








التوقيع



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
  رد مع اقتباس
قديم 05-10-08, 11:11 AM   #11
محمد الديحاني
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرمحي مشاهدة المشاركة
ليت العميد ينشره بعدد كبير حيث اصداراته السابقة نفذت مجرد صدورها

وليت يهتم بطرق الملاحة البرية وغيرها والتعامل مع الخرائط

ولسعات الثعابين

وقوات الصاعقة ما تخفها هذه الامور
اخوي الرمحي


شكرا على المرور وابشر سوف يصل رائيك الى الاخ محمد بنونة

موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .







التوقيع
يالله شف وجهي على الأرض ناجاك * مـخـافـت مــنــك وحــــب إسـتـقـامـه
في تالي الجمعه سجـد يبغـي رضـاك * لاتـحـرمـه عـفــوك نـهــار الـقـيـامـه


  رد مع اقتباس
إضافة رد
مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:15 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
 
هلا ديزاين