شَرَوْرَى والوُدَيْعَة
اليوم السادس للرحلة
7 شعبان 1400هـ
بكرنا في الخامسة صباحاً , أنا وصهري عيسى بن محمد بن إبراهيم , فخرجنا من نجران باتجاه مطلع الشمس , وهو نفس الطريق الذي سلكناه إلى آثار كعبة نجران .
كنا نجتاز الصعيد في الساعة الخامسة والنصف صباحاً , وكانت ذكاء تطل علينا من وراء جبال الأثايب , وكأنها عين سابر أو مراقب جيش , وعلى (23)كيلاً فرق طريق شرورى يميناً إلى الجنوب الشرقي , وتركنا إلى يسارنا الطريق التي تمر بالمطار وتذهب إلى الرياض .
وهنا طالعتنا لوحة كتب عليها : ( شروره : 320 كم ) . وهكذا تراها في جميع لوحات الطرق ( شروره ) وأعتقد أنه غلط , وأنَّ الصواب ( شرورَى) ولها نظائر عند العرب . فمررنا على جسر يمر تحته سيل وادي نجران , وفي نهايته الجنوبية على 24 كيلاً من نجران تقع القرية الخضراء , وبها مخفر تفتيش , وتكاد تكون الخضراء آخر الحياة مما يلي شرق نجران إلى شرورى , فكل ما بينهما صحراء لا حياة فيها . وهذه الصحراء التي تشرف عليها جبال اليمن من الغرب وتفيض سيولها فيها كانت تسمى ( صيهد ) , وأخذت جميع الأعلام تبتعد عنا يميناً ويساراً , وسرنا في صحراء ذات حبال من الرمل السائب تعترض الطريق وتتخللها شقائق ضيقة تشبه الأودية وطويلة طولاً لا يدركه البصر , معارضة للطريق بشكل تقاطعي . غير أن جبال اليمن التي على يميننا كانت تسايرنا مع الابتعاد التدريجي , فأولها مما يلي نجران , جبال (وائلة) , ثم تليها من الجنوب جبال (دهم) , وهما قبيلتان من همدان , لهما خطر في هذا الطريق , وخاصة (دهم) والتي كثيراً ما تقطع الطريق بين نجران وصنعاء .
وعلى ( 54) كيلاً من نجران فرق إلى اليمين طريق صعدة , وهو يخرج من السهل فيصعد جبال اليمن في بلاد همدان فيمر بصعدة ثم يذهب إلى صنعاء , ويكاد يكون كله في بلاد همدان , ولذا فكثيراً ما تسيطر قبيلة دهم على مسالكه .
ثم اعتدل بنا الطريق مشرقاً , وعلى (104) أكيال مررنا بمخفر لسلاح الحدود يسمى مركز الخزور , والخزور اسم بطن من بطون تلك الصياهد , وعلى منتصف المسافة تقريباً بين نجران وشرورى مررنا في وادي ( اليتمة ) : وهو يأتي من الغرب من جبال دهم , ويبدو انه من كبار الأودية هناك ولولاه ما وصل إلى هنا , حيث الأرض ميثاء ذات رمل سائب , والجبال لا تكاد تراها .
كنا وجدنا في الخضراء جندياً سائقاً من سلاح الحدود رغب أن نأخذه معنا , ولما كان من أهل البلاد ولا دليل لنا رجونا منه خيراً , ولكن ما إن خرجنا من القرية الا وأخذ يغط في النوم , ورغم مشاغلتي إياه بالحديث فقد نام أو تناوم , وظهر أنه غير راغب بامدادنا بمعلومات , وهو وأمثاله معذورون لجهلهم .
شرورى :
وأخيراً بعد مسير 345 كيلاً أشرفنا على مدينة شرورة كانت الساعة التاسعة والنصف تقريباً , ذلك أن هذه الطريق معبدة تعبيداً رائعاً , ولذا استغنينا في هذا اليوم عن الجيب , وذهبنا في سيارتي المرسيدس .
تقع شرورى في منخفض جلد تحيط به الرمال , ففي الشمال جبال رمل تتخللها شقائق جلدة , وهذ تذكر بالدهناء شرق الرياض , ومن الشرق الربع الخالي ( رمل يبرين) وهو بحور من الرمال لا تسير فيها سيارة ولا يخترقها إنسان إلا في مواضع قليلة يعرفها أهلها , ومن الغرب جبال اليمن امتداد السراة حيث تسكن قبائل دهم وبطون أخرى من همدان , وقيل لي أن تلك الجبال تبعد من هنا 200 كيل, ولا أستبعد ذلك فالصحاري هنا واسعة شاسعة , اما من الجنب فجبال حضرموت تمتد من الشرق إلى الغرب با تجاه مقاطع لسابقتها مما يكون من التقائها زاوية شبه قائمة.
هذه الزاوية يكون رأسها في مأرب : المدينة التاريخية القديمة , وفي بطن الزاوية تتكون رمال السبعتين (1) .
قيل لي هنا إن جبال حضرموت تبعد قرابة 150 كيلاً , غير أني أستبعد ذلك , لأننا عندما ذهبنا إلى (الوديعة) رأينا هناك جبال حضرموت , سراة ممتدة من الغرب إلى الشرق تشبه سراة اليمن إلى حد بعيد .
تلتقي عند شرورى منازل أربع قبائل كبار : يام من الشمال والشمال الشرقي , وقبائل من ( أبا العبيد ) منهم الكرب من الجنوب والجنوب الشرقي , والصعر من الجنوب الغربي , ونهد من الغرب , وكل قبيلة أفردنا القول عنها في بابها .
ذهبنا إلى أحد المطاعم فتناولنا فيه طعام الإفطار ثم توجهنا إلى إمارة شرورى فوجدنا الشيخ : علي بن عبدالله الشويعر أمير منطقة شرورى (2) جالساً في مكتبه , فرحب وسهل , وبذل جهداً مشكوراً في مساعدتنا , ثم تحدث عن شرورى فقال : كانت منطقة شرورى صحراء قاحلة لا شيء فيها , ثم حفرت السعودية فيها بئر ارتوازية سنة 1374هـ عمقها (1050)م ذات ماء معدني , قال الشيخ إنه يفتت الحصى من الكلى , فصارت البئر مورداً لقبائل المنطقة , وفي سنة 1375هـ أسست الدولة أول مركز إداري , فأخذت البلد تنمو , وتكاثرت البادية حولها , وكان المركز في خيام ثم في صنادق , ثم كما ترى الآن ( قصر فخم مبني بالإسمنت المسلح مكيف بالكهرباء ) أما البلدة فتشبه أية بلدة ناشئة , مخططة تخطيطاً بديعاً , غير أن الأرض على جوانب الشوارع ليست كلها معمورة , ويختلط فيها بناء الإسمنت المسلح والأحواش والصنادق , وشوارعها ليست كلها معبدة , وكذلك مدخلها كان تحت التعبيد , وتشتد الرياح بعد الظهر فتثير الأتربة , وهو أهم ما يشكو منه السكان , ويذكرني هذا بحالة تبوك أول نهضتها , حيث كانت الزوابع تنغص علينا الحياة هناك , والذي أعتقده أن شرورى ستلحق بتبوك , غير أن الأرض غير الأرض والإمكانات الطبيعية غير إمكانات تبوك .
ويوجد في شرورى من الدوائر الحكومية : الإمارة , والشرطة , والبلدية , والمحكمة , وقيادة عسكرية .
الوديعة :
ابدينا للشيخ رغبتنا في زيارة الوديعة , فأمر بسياة (G.M.C) مصندقة ومكيفة يقودها السائق مقبل بن محمد الصيعري , وقال الشيخ : هذه سيارتي الخاصة , ولما قلنا له : إن سيارتنا يمكن أن تقوم بالمهمة , قال مبتسماً : سيارتكم انتهى عملها هنا , وانتم في ضيافتنا وكلنا في خدمتكم . فشكرناه , وتوجهنا مع ((مقبل)) على طريق الوديعة باتجاه الجنوب الغربي , ولم نسر إلا بضع أكيال حتى أحسسنا بارتجاج في السيارة فتوقف السائق وتفقد السيارة فإذا إحدى عجلاتها قد ( بنشرت) , وكانت الشمس قد اشتدت حرارتها وزاد وهجها وجود الإسفلت والرمال البيض المحيطة , وبدل مقبل العجلة بسرعة جيدة , ثم واصلنا سيرنا , وعندما شاهدنا جبل (الوديعة ) صرنا في أرض ليست رملية إنما حزوم وجلد , وهذه تسمى ( حيلة شنية) وظهرت على يسارنا ببعد جبال (قعافز) في ديار الصيعر , وعلى 54 كيلاً من شرورى كنا قد وردنا الوديعة .
وتلتقي في الوديعة -أيضاً - أربع قبائل : الصيعر من الشرق والجنوب , والكرب -من أبا العبيد- من الجنوب , ونهد تختلط مع الكرب , وام من الشمال : آل مرة - الذين تمتد ديارهم إلى جنوب نجد , وآل فهاد وآل دمنان , وآل العرجاء , وتمتد ديارهم من هنا إلى نجران , ولبعد هذه البطون عن نجران فإن مذهبها سني لا إسماعيلي , وكذلك بقية القبائل هنا . وتقع ديارهم إلى غرب الوديعة على الحدود بين اليمنية السعودية الحضرمية , بين صنعاء وعدن وشرورى ونجران , ثم تمتد شرقاً شمالياً إلى جنوب شرقي الرياض بدون انقطاع , وهذه من أوسع ديار القبائل بعد عنزة وحرب .
تأسيس الوديعة :
الوديعة -بالتصغيير المرخم- : كانت أكمة صغيرة في وسط هذه الصحراء , ولكونها منفردة لا يتصل بها شيء سموها ( الوديعة ) تصغير ودعة , وهو نوع من محارات البحر , تستعمله البادية في ( الخط ) وهو نوع من الكهانة , وقد توضع على يراد درأ العين عنه , ولذ قال النبي صلى الله عليه وسلم : من علق ودعة فلا أودع الله له . وقد يستعمل الودع في الزينة , ففي بعض البودي ترصع البراقع بالودع , وقد شاهدت ذلك أثناء رحلاتي .
المهم في الموضوع هذا أن الوديعة سميت تشبيهاً بذلك , ولصغرها صغروها .
ويمر بسفح الوديعة واد يسمى ( دَخِين ) في ثمد ( ماء قليل ) يجم وقت السيول فيظل الشتاء والربيع , ويجف في الصيف , هذا كل ما كان يعرف عن الوديعة من حياة , ونظراً لقربها من الحدود فقد سلاح الحدود فيها مركزاً صغيراً سمي مركز (الوديعة) .
وفي رمضان عام 1389هـ هاجمت قوة من الجيش العدني ذلك المخفر واستولت عليه بعد مقاومة بسيطة , كان قائد المخفر زميلاً لي يدعى صامداً الشراري , وكان برتبة نقيب فيما أذكر . ولم تلبث أن اندلعت بين الدولتين الشقيقتين المتجاورتين , ولم يستطع أحد ان يقف في سبيل نشوبها , فحدثت الحرب التي عرفت بحرب الوديعة , ولأن الأسم نقل في الصحف غير مشكل فقد قرىء ( الوَدِيعَة) وبذلك تناقلته الإذاعات فرسخ في أذهان الناس بهذا اللفظ , وطارت شهرتها حتى لم يعد أحد لم يسمع بها .
وبعد تلك الحرب - أو بالأصح أثنائها - ضربت وزارة الدفاع انبوبة ارتوازية بجوار تلك الأكمة , فجاشت بماء غزير وعذب , وجدنا الناس يستقون منه , ثم تأسس سنة 1396هـ فرع لأمارة شرورى بهذا الموضع , فبدأت البوادي تفد إلى الماء وتتعامل مع ذلك المركز , وكعادة الناس في تأمين متطلبات الحياة فقد تأسست بعض المرافق , كالوقود , وصيانة السيارات , وبعض الدكاكين .
وفي سنة 1399هـ تأسست أول مدرسة ابتدائية للبنين , ثم بدأ المواطنون يطلبون عمارة الأرض , وقيل أن مخططاً للموقع يدرس الآن .
وقيل أنها تبعد عن حدود اليمن الجنوبي التي تصل إليها الدوريات من ( 55-60) كيلاً . على أن الحدود غير محددة رسمياً بين البلدين , واليمن الجنوبي : اسم اطلق على حضرموت وعدن بعد الإستقلال سنة 1389هـ , ومن هنا ترى جبال حضرموت كالعرف, ظاهرة واضحة .
أما دوريات الوديعة المتجهة شرقاً فتصل إلى : الحرج وأمهات عبلة والخرخير ( تبعد 440 كيلاً شرقي شرورة إلى الشمال ) , كذا قال الشيخ محمد بن ناجي المري اليامي أمير مركز الوديعة , وقال : إن هذه المواقع تبعد من هنا إلى الشرق قرابة (800) كيل , وهي ما بين الرمل (الربع الخالي) وحضرموت .
ولما وصلنا إلى مركز إمارة الوديعة وجدنا أميرها في مكتبة , وكان مزدحماً بالناس , فاختصرنا في غرفة خاصة , ومنه أخذنا ما قدمنا من معلومات .
شرورى مرة أخرى :
عدنا إلى شرورى - بعد إلحاح أمير الوديعة علينا بالبقاء للغداء - فوجدنا الشيخ أمير شرورى في انتظارنا , كان قد أولم لنا وليمة دعا إليها نخبة من موظفي الدولة في بهذا البلد , وكان يميزهم عنصر الشباب .
وكان قد ضرب موعداً لشيوخ القبائل الموجودين , فحضر شيخ الصيعر , وشيخ الكرب , وشيخ نهد , ولم يجد الرسول شيخ بني مرة من يام , وليس هذا شيخ جميع بني مرة , إنما هو شيخ من يوجد منهم هنا , ذلك أن ديار بني مرة تمتد من هنا إلى الأفلاج في نجد إلى واحة يبرين : جنوب شرقي الرياض .
كان موعد الجميع في منزل الشيخ الساعة الثالثة , وحضر من ذكرنا , فكانت النقاشات حول القبائل وأنسابها وديارها , وقد اشترك فيها الأمير وصحح بعضها , وقد عرفنا أن بعضاً من كبار الحضارم في مكة وجدة يرجعون في قبيلة الصيعر هذه كما سترى في فروعها , من هؤلاء : الشيخ سالم بن محفوظ صاحب البنك الأهلي التجاري , الغني المحسن , فهو من فخذ آل ابن محفوظ من قبيلة الصيعر , وأسر أخرى تجارية وعلمية ترجع إلى هذه القبائل الصحرواية.
وفي الساعة الخامسة ودعنا الجميع شاكرين عائدين إلى نجران , فوصلناها في التاسعة ليلاً .
ماهو أسم شرورى القديم ؟!
تبعد شرورى - كما ألمحنا سابقاً (345) كيلاً شرقاً من نجران , في فلاة مهمه يضل فيها السائر في وضح النهار , وترتفع عن سطح البحر قرابة 914 قدماً , وهي في الزاوية الجنوبية الغربية للربع الخالي , وعلى خط طول 15و47 درجة تقريباً , وبين خطي العرض : 17 و18 درجة تقريباً , وتقع الوديعة جنوباً منها على بعد 54 كيلاً كما ذكرنا سابقاً , وعلى خط الطول نفسه السابق , وخط عرض 16و17 درجة تقريباً.
وأهم المناطق المعروفة حول شرورى : رمال القعاميات في الشرق إلى الشمال , وشقة الخريطة : خبت واسع إلى الغرب .
ولم أجد لشرورى ذكراً فيما نظرت من مراجع قديمة ولا حديثة , فلم يذكرها الهمداني في ( صفة جزيرة العرب ) , ولم يذكرها الأكوع في ( اليمن الخضراء ) بينما ذكر الوديعة , ولكنه غير موقعها في الخريطة إلى الجنوب كثيراً , وكلاهما معذور , فالمكان يقع في مجاهل الصحراء في فلاة كانت تسمى (صيهد ) وهي واسعة شاسعة , ثم إن المكان لم تكن فيه حياة قبل تأسيس ذلك المخفر الذي مر ذكره , ولذا فإنك تجد ان أهل الديار لا يكادون يضبطون اسمها , فقد سألت شيخاً ممن كان عند أميرها : هل الأسم الصحيح شرورى أم شروره؟ فقال : ناس يقولون كذا وناس يقولون كذا !! .أ أما الورقة التي كتبها لي وكيل إمارة نجران فقد جاء فيها ( شرورا ) وفي الخريطة ظهرت ( الشرورة) من هذا يظهر لك أن الأسم ليست له جذور وما كان معروفاً إلا عند من ينتجعه من البوادي .
هوامش المؤلف
(1) سميت رمال السبعتين لأنها تتكون من رملتين متجاورتين تتكون كل منهما من سبعة حبال رمل , وهي تمتد من التقاء سراة اليمن بسراة حضرموت حضرموت قرب مأرب شرقاً , ثم تمتد باتجاه الشرق , وقد كتبها أحد المستشرقين بالحروف اللاتينية فعربت ( السابتين ) وهو خطأ .
(2) من آل الشويعر في حائل .
الكـتاب : بين مكة وحضرموت (رحلات ومشاهدات )
الـمؤلف : المقدم / عاتق بن غيث البلادي .
النـاشر : دار مكة
الطبعـة : الأولى 1402هـ
الصفحات : 109-116 صفحات الموضوع المنقول .