وفعلا لقد استعملنا الجهاز في طريق العودة الذي أشار لنا الهدف ولم نكن نستوضح الآثار التي حاولنا استذكارها منذ البداية مما جعلنا نستعمل طريقا آخر، وقد دخلنا في وادي آخر لايؤدي لمدينة البدع انما جعلها يسارنا ولم يكن هناك جادة تحولنا عن الوادي للمدينة ، فما كان منا إلا العودة من حيث أتينا من النقطة التي شككنا فيها وحاولنا استذكار البداية ، وفعلا تذكرنا بعضا منها ، فهذا الخزان الحديدي القديم الذي رأيناه حين الدخول للوادي فكان على الجادة ، وسرنا حيث جاء تعرجا وصخرة بارزة في أحد الجبال وهي على الجادة التي نسير عليها كانت من الآثار التي كنا نذكرها جيدا في بداية طريق رجعتنا ، فهذه الآثار قد جمعت شتات أفكارنا ودلتنا على الرجعة بعد أن طرحنا الجهاز جانبا ، وكان الجهاز قد أضاع منا ساعتين من المسير الى أن شاء الله أن اهتدينا الى الطريق السليم ، وهذه الأجهزة ممتازة في الإعانة على الاهداف ولكن من الخطأ الاعتماد الكلي عليها ، لأنها قد تتأثر بتأثيرات جانبية نتيجة حساسيتها أو في الحسابات أو غير ذلك.
قصة ذات عبرة
ومما جعلني أذكر هذه الملحوظة انه في رحلة من رحلاتي في منطقة الصمان كان الوقت نهاية الربيع وقد ذهبنا في سيارة واحدة وكنا ثلاثة أشخاص وقد كانت رحلة لصيد الضبان فكان بداية وقتها ، وقد وفقنا لصيد 22 ضبا أكلنا منها ما أكلنا والباقي وضعناه في الحافظة وكانت العودة بعد أن قضينا ثلاثة ايام تقريبا بين الفياض في الصمان ففيضة الخمة وفيضة الدغيم وغيرها التي كنا نستظل تحت أشجار السدر الجميلة والكثيفة في هذه الفياض وكان المكان رائعا جدا حتى حان الوقت يوم الجمعة بعد الغداء استقلينا السيارة متجهين صوب طريق الملك ، وهو طريق مسفلت يصل بنا الى الرياض مرورا بالتنهاة وحفر العتش ثم الحفنة والطوقي فطريق المجمعة الرياض القديم مرورا بطعس الموت المشهور بطعس خزام في الرياض لمحبي تسلق الرمال بالسيارات ، وفعلا سرنا باتجاهه وقبل الغروب بوقت قصير شاهدنا أحد ثعالب الصمان المميز بأذنيه العريضتين وصغر حجمه الذي يصل الى حجم الهر الكبير في المدن ، المهم أردنا ان نطارده قليلا وتبعناه ثم فجأه دخل الارض وحينها قد اظلم الوقت ونزلنا من السياره لرؤية مكان اختباءه ، والعجب الذي لازلت حتى الآن مع زملائي الاثنين نذكر تلك الحادثه أن الجحر الذي دخل فيه ذلك الثعلب كان من صغر حجمه انه لايمكن ان يدخله ذلك الثعلب انما جحر لجربوع أو فأر ، وصرنا فوق الجحر ونتسائل ونستغرب فلا أحد منا يشك ولو قليلا أنه قد دخل في ذلك الجحر حتى أننا شككنا انه من إخواننا الجن فتعوذنا بالله ومشينا نحو اتجاه الشارع وكان جهاز ماجلان معنا وقد خزنا مكان الشارع وكان بالاضافه الى الجهاز الذي كان معنا بوصلة جيدة وكانت المسافة بين ما تركنا الثعلب ونقطة بداية الشارع المسفلت تقريبا 20كم الى 15كم والساعة تقريبا السادسة مساء ، وهنا بدأت مشكلتنا مع الجهاز والبوصلة معا التي جعلت المسافة القصيرة الى الهدف صعبة المنال حتى وصلنا بعد خمس ساعات تقريبا عند منتصف الليل ، والأمر المستغرب أن الجهاز يشير الى الهدف ، ولكن عند المسير مسافة معينة فإننا نرى البوصلة قد انحرفت عن الهدف 90درجة ومن ثم نعاود الاتجاه مرة أخرى فيتكرر هذا الأمر طيلة خمس ساعات أو اكثر .
وعندها بلغنا من الإجهاد مبلغ فما كان منا إلا تجديد الالتجاء إلى الله وصرنا نتعوذ بالله ونذكر الأذكار ونقرأ المعوذات ، حتى زملائي عبد الرزاق ويحي بعد أن أجمعنا أمرنا أنه من أمر الجن بعد مطاردتنا ذلك الثعلب الذي دخل جحرا كان من المستحيل أن يدخل فيه .
المهم أنه بعد الالتجاء الى الله عز وجل وصرنا نعتمد على الله ثم ما نعرف من النجوم واتجاهاتها وصلنا بحمد الله وشكره الى الطريق وكان ذلك الساعة 12.5ليلا ، فكانت تلك التجربة ذكرى لاتنسى .
ونرجع إلى ما كنا عليه فعند بلوغنا الطريق الصحيح المؤدي لمدينة البدع سرنا حتى بانت لنا شعاع أنوارها من خلف الهضاب ومشينا حتى وصلنا البلد وذلك الساعة التاسعة مساء تقريبا ، ودخلنا المدينة وكانت هادئة أكثر مما تركناها فلا حس ولاخبر .
وعند أقرب محطة توقفنا وملأنا الخزانات واشترينا ما نحتاجه من تموين ، وقد ممرنا على المكان الأثري المسمى مغاير شعيب وهي عبارة عن كهف او مغارة محفورة بالجبل وهي كما رأيناها محفورة بيد إنسان وهي مقسمة الى تجاويف .

مدخل مغاير شعيب في مدينة البدع
ولم اقف على مكانتها التاريخية ولعلي اذكرها لاحقا ان اتسع الوقت ومن ثم سرنا باتجاه الجنوب الى البحر الاحمر على طريق الساحل فمررنا على الخريبه وقبلها مفرق الشيخ حميد وثم الشرمة ووادي عينونا ومنطقة المصلا واخيرا المويلح .
قرية المويلح الساحلية( النبك)
و كان الطريق من البدع الى المويلح 120كم مشينا ليلا ، وبعد البدع كان الطريق مستقيما وتباعدت الجبال وصرنا محاذين للبحر ، وعند المويلح توقفنا بعد أن بلغ منا التعب ، فقد كان يومنا حافلا بالأحداث .

مدخل مدينة المويلح الشمالي
وعند مدخل المويلح الشمالي توقفنا عند أقرب مطعم فلم يكن لنا طاقة لعمل عشاء أو لتنـزيل عد ة الطبـخ وغيرها ، وكان المطعم على الشارع العام والجو لا بأس به فنحن قرب البحر الاحمر وعند المطعم الذي بدا خاويا من الحركة فلم يكن ذلك المكان ممرا حيويا فقد جلسنـا ساعـة كاملة فلم نرى الا زبونا واحدا دخل هذا المطعم ، فطلبنا ما عنده واخترنا كبسة سمك وكان الطباخ هندي فقد قلى السمكة والرز مشخول وأتى بها والحمد لله على النعمة ، فقد أكلنا وشبعنا وشاركتنا بعض القطط في التهام ما تبقى من العشاء فكانت رائحة السمك تفوح في أرجاء المطعم .
وانتهينا من غسل أيادينا وتجولنا في مدينة المويلح علنا نجد مكانا نأوي اليه ومن جهة البر ( يسار الشارع ) لم تصلح الارض للمبيت لوعورتها فأخذنا الساحل وكان يمين الشارع والمويلح يخترقها الشارع فيقسمها قسمين شرقي وغربي ، المهم أننا سرنا بمحاذاة الساحل فكانت الارض عبارة عن مرتفعات رملية نبتت بها الأعشاب وتكثر أشجار الطلح وغيرها من الأشجار في تلك المناطق التي تشبه النخيل وتكون تفرعاتها كثيرة وميولها منحرف وتسمى شجر الدوم ، ووجدنا مكانا بين التلال وأنزلنا العفش وبسطنا البساط وفكينا حقائب النوم واندسينا داخلها فلم نحس حتى أصبحنا .
اليوم الرابع
استيقضنا وصلينا الفجر وجمعت بعض الحطب مما احتطبنا سابقا وشبينا النار وكان الندى كثير بحكم قربنا من الساحل فكان الشاطئ لا يبعد سوى 30مترا ووضعت إبريق الشاي على النار وابريق آخر به الحليب وانتهينا من الفطور الساعة السابعة ومن ثم انطلقنا في ربط الأغراض وترتيب عزبة الأكل التي فيها المؤونة وأدوات الطبخ وحملناها وانطلقنا نتجول في أنحاء المويلح القرية الساحلية والتي هي من المحطات المعتبرة في طريق الحاج الشامي والمصري الساحلي ، والتي كانت تسمى (النبك) وقد بنيت بها قلعة في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني والتي بنيت عام 968هـ 1560م ، وهذا مكتوب بلوح على باب القلعة الشمالي الوحيد للقلعة ، وتعد القلعة من اكبر القلاع الموجودة على طريق الحاج الموجودة داخل حدود المملكة العربية السعودية ، إذ يصل طول ضلعها الشمالي 110متر وكان بنائها من الحجارة المنحوتة ولم تكن مرممة بحيث تسمح لنا بدخولها ولكنها كانت قلعة عظيمة مبنية على مرتفع يطل على البحر ويشرف على مدينة المويلح ، وقد نالها الؤلف هشام عجيمي في كتابه عن القلعة ورسمها رسما دقيقا ، ويرى
داخلها بئر وبجانبه مسجد في وسط القلعة وهذا البناء يدل على مكانة المويلح تاريخيا
أكملنا سيرنا خلال المويلح واقتربنا من الساحل فرأينا بها بعض المراكب البحرية وكان بها فرضة (ميناء صغير ) يمتد في البحر بطول عشرين مترا وسرنا اليه وأوقفنا السيارة وعندها كان بعض أهل المنطقة يستعد للدخول الى البحر وكان معاونوه من الهنود يحملون الحبال والشباك وبعضهم كان يحمل الحافظات للثلج الى القارب الذي كان مصنوعا من الأخشاب ومن النوع القديم نوعا ما ، فهو يختلف عن النموذج الخليجي المقارب في حجمه والمسمى جالبوت، فهو أقصر طولا واعرض منه ، ولقد ملأت الحافظات الثلجية وأيضا حافظات ثابتة في المركب بثلج مبشور لحفظ الأسماك بعد صيدها ويوجد في الفرضة غرفة تابعة لخفر السواحل وكان جندي يتابع عملية إعداد المركب للإبحار وتركنا البحارة وهم يحملون الأمتعة والتموين الى المركب وسرنا في الساحل الموازي لقرية المويلح وكان أكثر أنواع الشجر شجر الدوم ذلك الشبيه بالنخيل الذي تتفرع الواحدة منه الى أكثر من فرع واحد حتى يصل بعض الأشجار الغريبة تلك الى ثمانية فروع وجذوعها تميل ميلا حتى تكون شكلا جميلا ، وتجولنا حول بيوت القرية التي كانت مبنية من حجارة الساحل ومن طين وجص وبعض جذوع أشجار الدوم التي وضعت في الاسقف مع تزيين جمالي على جدران البيوت الأمامية وبناء الأقواس حول البوابات للدور .
(25)

جزءا من بيوت مدينة المويلح القديمة
ومن المويلح اتجهنا الى الطريق الساحلي من المويلح الى الجنوب عبر شارع مسفلت خط واحد نحو ضباء على بعد 60كم تقريبا وكان الطريق سهل الا من بعض الارتفاعات البسيطة فهو يحاذي الساحل للبحر الأحمر، فمررنا على وادي الغال ، والذي كان يسمى قديما بوادي القسطل والقسطل اسم لنبات الحنظل ،
الاقتراب من مدينة ضباء
وقبل أن نصل ضباء بمدة قصيرة صادفنا ميناء ضباء البحري الذي ترسي فيه السفن الناقلة للركاب بين ضباء وسفاجة المصرية ووجدنا سيارات النقل الجماعي المتوقفة لنقل الركاب الذاهبين ولنقل العائدين ، وسرنا نحو الجنوب باتجاه ضباء ومررنا على وادي الهاشة وهو حدود مدينة ضباء الشمالية ، ووصلنا ضباء نحو العاشرة صباحا ودخلناها فكانت مدينة تجمع بين القديم والحديث فسرنا بين أبنيتها فهذا مكتب البرق والهاتف وذاك المستشفى العام بالمدينة وتلك الأسواق التقليدية في الشارع الرئيسي بالمدينة وسرنا نحو الجهة الجنوبية للمدينة فكان هناك كورنيش جميل وجسر للمشاة على خليج المدينة ، والتقطنا صور تتكلم نيابة عنا ، والكورنيش قد زين بمظلات ، وارصفه للمشـاة ، ووضعت بعض الألعاب للأطفال، ووضعت بعض الأشكال الجمالية في ميادين عامة في المدينة التي شكلت منظرا بديعا يدل على اهتمام واعتناء بالمنظر العام للمدينة .
(26)

منظر لخليج ضباء ويرى من بعيد القلعة والميناء القديم
ومن خلال تجوالنا بالمدينة كان لنا حديث مع أحد سكانها والذي تعرفنا عليه واسمه عبد الحفيظ عبد الله عيسى الذي أخذنا منه بعض المعلومات الجيدة عن أحوالها فهو من أبناء حي القرفاء ، وضباء القديمة وهي تقع جنوب المدينة الحالية وبها الميناء القديم وقلعة ضباء ، وحسب رواية صاحبنا فالمدينة منقسمة الى حيين شرقي وهو الذي كنا به وهو على تلة مطلة على حي الساحل وهو الحي الثاني لضباء القديمة وهو اقدم من حي القرفاء وبه المسجد الجامع والسوق والميناء ، اما حي القرفاء فهو كما اشرت مبني على تلة في الجهة الشرقية للمدينة وبه بنيت قلعة ضخمة ومن اللوحة الإرشادية على بوابة القلعة الجنوبية كتبت عبارة:
لااله إلا الله محمد رسول الله
تأسست بأمر صاحب الجلالة ملك المملكة العربية السعودية
عبدالعزيز العبد الرحمن الفيصل ال سعود وبنيت عام 1352هـ 1933م.

ومن ضباء اتجهنا الى مفترق الطرق عند المدينة الذي يتجه جنوبا الى الوجه بطول 155كم، وأملج من ضباء وينبع البحر بطول 327كم ، وشرقا إلى تبوك بطول 152كم وشمالا المويلح وحقل ، واخترنا الشرق رجوعا الى تبوك ، وكان الخط مزدوج لكل اتجاه مسارين ، وفيه ورش للسيارات ومحطات للوقود ومحطة للنقل الجماعي والتي كانت تخدم المنطقة ، والميناء البحري الذي يحجز منه إلى مصر من خلال الموانئ المصرية ، وقد تركناها واتجهنا نحو تبوك عبر طريق ذي اتجاهين لكل اتجاه مسار واحد مسفلت ملتوي ومتعرج تحيط به الجبال يسير على أثر الوديان لسهولة شق الطريق ، وكانت الشعبان تتناثر حوله وأشجار الطلح وغيرها التي تكثر في المنطقة والطريق يرتفع بنا شيئا فشيئا ، و سلسلة جبال شار التي كنا نخترقها حتى ارتفع بنا الطريق ثم استوى قبل أن نصل الى تبوك ، وصار الشارع مستويا تقريبا ليس فيه تعرجا يذكر، وتفرقت الجبال العالية بعيدا خلفنا ، وصارت الأرض رملية إلا من بعض الجبال الحمراء المتكونة من صخور رملية تتفتت بسهولة وهي حمراء اللون ، قد شكلتها الرياح وعوامل الزمن والأمطار فتشكلت الصخور بأشكال غريبه تنم عن عجيب صنعة الله عز وجل ، وكانت شبيهة بعمائر ضخمة متهدمة ويدل على ذلك الخطوط التي على سفوحها من فعل الرمال والرياح فترى من بعد كأنها عمائر من لون واحد متعريه من الأعلى كأن زلزالا عظيما هدمها .
الرجوع الى تبوك مرة اخرى
وبعد مدة من المسير وصلنا تبوك التي تجولنا حولها مرورا بالبئر التي شرب منها الرسول صلى الله عليه وسلم ومرورا بمحطة تبوك العثمانية ، وتجولنا في الأسواق وكان من الأشياء التي شاهدناها ، الشقق المفروشة الحديثة البناء وجميلة التصميم ، وكانت تبوك قد احتلت مكانة نتيجة النهضة الزراعية الباهرة وأيضا لوجود المدينة العسكرية فقد جعلت من تبوك مدينة سريعة الحركة والنمو ، ووجود أغلب الشركات المختصة بتلك الأمور ، والشوارع الفسيحة والخدمات المتميزة فقد كانت مدينة متطورة حديثة .

الاستعداد لعبور سكة حديد الحجاز
ومن تبوك التي كانت نقطة البداية لرحلتنا على خط الحجاز الحديدي المشهور باتجاه المدينة المنورة فقد استعدينا للأمر فتمونا بالبنزين والمياه والغذاء كعادتنا ، ولكن هذه المرة أكثر حرصا لأن الطريق الذي سوف نسير فيه ليس مسفلتا ووعرا ، يسير بمحاذاة خط الحديد القديم وتقل فيه المياه إلا من بعض النقاط القليلة ، وقد خططنا المسير من تبوك الى العلا على هذا الخط الممهد ( بطول 300كم تقريبا ) ومرورا بمحطات قد يوجد بها خدمات أو لا يوجد مع الأخذ بالحيطة وعدم التورط، وكانت سكة حديد الحجاز من أهم الخطوط الحديدية التي أنشأت في عهد السلطان عبد الحميد ، ففي سنة 1900م بوشر بمد الخط من دمشق الى المدينة المنورة ، ليكون بديلا عن القوافل التجارية التي تنتقل على ظهور الإبل ، وتقطع المسافة بأربعين يوما ، وكان لهذا الخط أهداف إسلامية واقتصادية وعسكرية ، فهو يسهل وصول الحجاج الى الديار المقدسة ، ويربط العالم الإسلامي بعضه ببعض ، ويسهل كذلك وصول الإمداد الى الحاميات العسكرية الواقعة على طريق هذا الخط ، وما أن تمت الدعوة لإقامة هذا الخط حتى توالت التبرعات الاسلامية للهيئة القائمة على التنفيذ حيث بلغت التبرعات ثلث عملية التكلفة ، وفي عام 1908م وصل بناء الخط الى المدينة المنورة (1).
وكان وصول أو قطار يوم 22 أغسطس من عام 1908 م فرحة كبيرة فالرحلة التي انطلقت من الشمال اجتازت المسافة في ثلاثة ايام ، وقطعت خلالها 814 ميل وقام المهندس التركي مختار بيك برسم مسار الخط ذاتها التي كان يمر بها الحاج حيث تتوافر الآبار ومصادر المياه …ولا ننسى دور السلطان عبد الحميد نفسه ، ودور عزت العابد الدمشقي والشيخ أبو الهدى الصيادي الرفاعي في إنجاح المشروع (2)
وقد بلغت كلفة المشروع ثلاثة الآف ليرة ذهبية ونصف المليون ، وقد وصف الخط أحد الرجال العرب بقوله : " ان بين حوادث السنوات العشر الأخيرة عناصر بارزة في الموقف السياسي العام أهمها خطة السلطان الماهرة التي استطاع أن يظهر بها امام ثلاثمائة مليون مسلم… وأن يقيم البرهان على قوة الشعور الديني وغيرته الدينية ببناء سكة حديد الحجاز التي ستمهد الطريق في القريب العاجل أمام كل مسلم للقيام بفريضة الحج الى الأماكن المقدسة في مكة والمدينة " (3) 0
ومن الأمور التي جعلت هذا الخط كما هو الحال الآن من خراب ودمار وعدم استعمال هو غضب القوى الاستعمارية الحاقدة لأنه كان فعلا من أعظم الإنجازات ، ولهذا ما أن شبت نار الحرب العالمية الأولى حتى كان هذا الخط هدفا للتخريب وبالرغم من أن الجيش العثماني دافع عنه بعنف إلا أن مفارز لورنس ، والعصابات التي يقودها بعض الضباط الإنجليز كانت وراء تخريبه عمدا وكان بالإمكان قطع هذا الخط عن طريق نسفها معابره الشمالية في مضائق الجبال وكفى ، وتركه لتستأنف عليه الحركة بعد انتهاء الحرب !!! .لأنه منشأة مدنية تفيد عامة الناس (4) .