يتعاقب على المكان أقوام بعد أقوام وتنطلق موجات بشرية تلو موجات ، ولكل قوم مصطلحاتهم ، ولكل بشر لهجتهم ، فيستثقل العامي ما قاله سلفه الفصيح ، فيطرأ تحريف أو تصحيف على أسماء المسمّيات ، وربما كان التبديل سلاحا مُعدًّا للتصويب نحو المسمّى دونما شفقة أو رحمة ، فنستيقظ في منتصف الليل الأليل لنرى المواضع صرعى عن أيماننا وعن شمائلنا ، ولربما سكنّا منزلا أتى عليه وابل الرصاص اللغوي من حيث لا نعلم ..
حين يطمع البشر بموضع ليستخرجوا منه عصيره ناسين أو متناسين أن رحمة الله قريب من المحسنين ، وسأسألكم فاصدقوني أيها القراء هل علمتم من عصير يسمن أو يغني من جوع حين يكون الليمون الأسود مادته التي يراد استخراجه منها !!
ألا تشاركونني رحلتي وأخي الموجّه التربوي راشد بن عبد العزيز الصعب ، والتي كانت نخوتنا لتلبية نداء جبل أحامر هي التي أخرجتنا من إقليمنا في وسط نجد ، حيث كانت حاله بين السعادة والغبن : سعادته بالربيع الذي حل بساحه ، وغبنه جرّاء اعتصار صاحبه الذي خلناه يقاوم العصر قرونا طوالا ، ولشَدّ ما تهلل وجه أحامر فرحا بمقدمنا في صباح يوم ربيعي جميل صافٍ ، وأظنه قدّم لنا مائدة الإفطار وخجل أن يقول أسرعوا والحقوا بأخي سحام قبل أن يعصره العامة ، ولقد كانت مائدته ذات خبز وقشطة وجبن وزيتون فضلا عن القهوة والشاي اللذين كان يبتسم ساعة احتسيناهما .
لقد حانت منّا التفاتة إلى مضيفنا أحامر وكأنها دون قصد ، فرأينا في عينيه – رغم ترحابه – دمعا يكاد ينهمر ، فربما أغرق ما في ساحه من عشب فاستحال هشيما ، فأراد راشد أن يسأله عما به فنهيته احتراما وتقديرا لهذا الكريم المحتسِب ، وقلت له : أنت تعلم ما أتينا من أجله أيها الأخ الكريم !
- **أكرمك الله بكل غيث من وسميٍّ وصيّفٍ وربيعٍ أيها الصامد المضياف ، فلقد جئنا من الشَّعْراء مهدِ صاحبيك الراعي النميريّ وعمرو بن أحمر الباهليّ رحمهما الله ، جئنا حين دعوتنا ! فهل من حاجة فتُقضَى أو مَهَمّة فتُمضَى ؟
- *مرحبا وأهلا وناقةً ورحلاً ، قالها قبلي سيف بن ذي يزن الحِمْيريّ لعبد المطّلب فكأنما استودعَني إياها لأقولها لكما .. اِقرَآ ما سجلته لكما من صفة جزيرة العرب !!
- **حسنًا هات ما لديك !
- *إني أخشى أن تنسيا ما فيها فتعُودا إلى نقد الهمداني فلا تعود إليّ الورقة فأمكث سنينَ طوالاً على قارعة طريق الشفقة !
- **وهل كل ما قاله الهمداني باطل !
- *حسنًا ، فلعل في مجيئكما الخير كله في إنقاذ أخي سحام الذي كلما أراد أن ينظر إليّ شدّوا عليه آلات العصر فبكى وندب حظه !
- ** سنقرأ وأنت تسمع ...
قال لسان اليمن الحسن بن أحمد الهمداني – عامله الله بلطفه – وهو يصف طريق حاج الأفلاج :
"... ثم النّتّج وهي قارات في قابل فأو الهدار من قصد الدَّبِيل ثم تقطع الدبيل قطع الحبل وهو الرمل فأول مشرب في هذه المحجة ماء لجَرْم يقال له ممكن ( لا أدري صحة قراءته : مَمْكن أو مُمكِن أو مُمَكّن ) ثم يأخذون على قرن أحامر ويقابلون الصاقب صاقب الدَّخول ، ومن عن يمينهم قنان غمرات وبطن الركاء في وسطه الدخول ماء قريب من صفا الأطيط وهضب ذي إقدام ويظهر لك رأس سحام ، وهذه المواضع التي يقول فيها امرؤ القيس :
لمن الديار عرفتها بسحام * فعمايتين فهضب ذي إقدام
فصفا الأطيط فصاحتين فعاسم * تمشي النعاج بها مع الأرآم
وبشط غمرة مما يلي الركاء أحساء معصبة فترد الدخول وله علم يقال له منخر هضبة ثم تقع في رملة عبد الله بن كلاب .. " طبعة دار اليمامة ص296
- * كأنكما تقرآن ما كتب النُّسّاخ الذين يكتبون بأيد مرتعشة وبأعين غمصاء كأنما تحاولان فك طلاسم وصفة طبية ربما وقفتما أمام الصيدلي دقائق تساندانه في فهمها !!
- ** وكيف نقرأ إذَنْ ؟
- * قبل إجابتي ، هل تذكران لي أسماء مواضع هذا الطريق كما ورد في الخرائط الجديدة لعلي أتحقق من فهمكما !
- ** حُبًّا وكرامة ..
النتّج هي قارات فحّامة.
الدبيل هو نفود الدحي.
ممكن لعله بئر لم يذكر اسمها في أسفل شعيب زرّاق قبل آبار المُرّة.
قنان غمرات هي رؤوس جبال السوادة حيث فيها آبار غمرة وواديها.
أحساء معصبة هي آبار صُلُّبا في جبال أمهات عَصْبة.
ولتسمح لنا عن الخوض في المواضع المرقسية الأخرى !
- * حسنا قلتما ،فهل تستطيعان تصحيح بعض ما طرأ على هذا النص من تقديم وتأخير في الجُمل ؟
- ** إن وراءنا قوما سنعيد تصحيح قراءة النص معهم إن شاء الله ، أما بغيتنا التي أتينا من أجلها حين استصرختنا فسنجدها بإذن الله دون حاجة إلى تقويم النص .
- * اُنظرا عن اليمين ثم اتجها في مقابل الصاقب واعطفا عنقيكما ، وأتوسل إليكما ألا تغمضا أعينكما حتى تريا أخي سحاما !
- ** أبشر أيها المضياف الجواد !
- * الحمد لله ، لقد وثقت الآن بتحرير أخي مما يراد به ، ولكن على رسلكما فلقد نقلت لكما قطعة فاخرة من ديوان امرئ القيس بشرح أبي سعيد السكري رحمه الله وهي حتما ستصحح بعض الحروف التي صُحّفت والهمزات التي خشيت إقدامها حين جُعِلتْ تحت الألف فجاءت نعالا لأقدامها !
- ** لقد فتحت لنا بابا فكأنما تريد أن نتغدى معك ونتعشى يومنا هذا !
- * ذلك أحب إلي ولكن لا تشكّان في محبتي إياكما ، بَيْد أني أستصرخكما لِمَا حثثتما من أجله المطيّ !
- ** ما رأيك في ياقوت الحموي رحمه الله رحمة واسعة حين قال : هضب ذي إقدام ؟
- * لا يقول بذلك من كسب رهان سوق حُباشة ، إنما ذلك من النساخ الذين لا ناقة لهم ولا جمل في الأسماء ! ولكن انظرا إلى ما كتبه الوزير أبو عبيد البكري رحمه الله رحمة واسعة حيث قال على بعده في الأندلس السليب : هضب ذي أقدام !
- ** جميل هذا فأذن لنا بالانطلاق إلى هدفنا !
- * اذهبا وسأدعو لكما بالنجاح والظفر ، وستجدان في القطعة السكرية ما يسر فؤاديكما !
.. انتهى الحوار ، وقبل أن نقرأ القطعة دعونا نتجه إلى هدفنا
إلى اليمين منا رأس أسود من وراء جبال سود وبالنظر في الخرائط التفصيلية وجهاز الــ GPS تبين أنها قمة جبل المعصورة ومن دونها الستارة فقلت لراشد : ربما مررنا قبل سويعات بهذه القمة ولم نتأملها باهتمام ولم نصورها!
ثم اتجهنا غربا ونحن ما زلنا نشاهدها ثم انعطفنا باتجاه بلدة قِمران ونحن ما زلنا نشاهدها من وراء الستارة ، ثم جعلنا جبال الستارة بيمين حتى وصلنا إلى شمالها الغربي فدخلنا بُغية الوصول إلى رأس سحام ، فحاذيناه وشاهدناه واستجزنا نحو الجنوب داخل الستارة حتى وصلنا إلى طريق مسدود فكان رأس سحام عنا في الناحية الشمالية الشرقية ، فعدنا أدراجنا حتى كنا ننظر إلى ذلك الرأس القضيّة جنوبا منا ثم سلخنا الجبال حتى كان ينظر إلينا ونحن جهة الشرق منه قريبا وفي عينيه نظرة عتاب أخجلتنا حيث مررنا عند الصباح على رمية سهم منه ولم نسمع لشكواه، وهنا كان لا بد لجبال الستارة أن تنحسر عنه إلا في سفحه ليعود طليقا ، وابتعدنا عنه كي لا يُثقل علينا بطلبٍ مُعجِز إذ ظنناه يريد أن يذهب إلى أخيه أحامر بعد طول فراق وليسعد معه في ربيعه الذي لم ينله منه شيء ، نسأل الله أن يرحم أرض سحام وكل أرض المسلمين برحمته وأن ينزل عليها الغيث المغيث .
· سحام في اللغة :
السُّحام : السواد ، والسُّحمة سواد كلون الغراب الأسحم ، والأسحم : القرن ، قال زهير :
نجاةٌ مُجِدٌّ ليس فيه وتيرةٌ * وتذبيبها عنه بأسحمَ مِذْوَدِ
أي بقرن أسود
والأسحم : الليل ، والسحماء : السحابة السوداء
· عودة إلى المقطوعة السّكّريّة وسنقتصر على أبياتٍ منها ..
قال امرؤ القيس :
لمن الديارُ غشيتها بسحامِ * فعمايتين فهضبِ ذي أقدامِ
فصفا الأطيط فصاحتين فعاشم * تمشي النعاج بهِ مع الأرآمِ
دارٌ لِهِرٍّ والرَّبابِ وفَرْتـنَى * ولَمِيسَ قبلَ حوادثِ الأيامِ
( هر : أخت الحارث بن حصين بن ضمضم وهي أم الحويرث المذكورة في المعلقة )
عوجا على الطلل المُحيل لعلنا * نبكي الديارَ كما بكى ابنُ خِذامِ
........... حتى قوله :
أفلا ترى أظعانهن بعاقلٍ * كالنخل من شوكانَ حينَ صِرامِ
............ ثم قوله :
وكأنما بدرٌ وَصيلُ كُتيفةٍ * وكأنما من عاقلٍ أرمامُ
( في البيت الأخير إقواء .. قال الأصمعي : "بدر" ماء متنحٍّ و"كتيفة" عن بدر بعيدة منه .. وقوله "فكأنما من عاقل أرمام" وهما موضعان متباعدان فيقول : كأن ذا من ذا ، ليس بينهما شيء من سرعة ما قطعْتُهما )
لقد كان الرأي بيننا أن نصرف النظر عن المواضع التي وردت مع سحام في هذه الأبيات لندرجها ضمن قصة مسيرة رحلتنا الموفّقة إلى أراضي جنوب نجد التي أنبتت في الوسميّ من كل زوج بهيج ..
والآن مع صور منتقاة لهدفنا هذا :
اسمح لنا يا سحام .. اللي ما يعرفك ما يثمّنك .. سحام إلى يمين الصورة والحمراء إلى يسارها
قرن أحامر والذي يبدأ من عنده النظر إلى رأس سحام
رأس سحام في وسط الصورة .. شموخ وإحباط
رأس سحام ( الأيمن ) من الغرب من داخل الستارة
رأس سحام .. نظرة من الجنوب الغربي .. كأنما يئس من الإنقاذ فأعرض
رأس سحام من الجهة الشمالية من طرف جبال الستارة
عينا سحام وقد عمِيَتا من شدة العصر .. كأنما أراد أن يقول لنا احملاني إلى أحامر
أعتذر عن إدراج خريطة لهذا الموقع وستدرج إن شاء الله في موضوع لاحق
هذا المكان يقع في الطرف الشمالي من إقليم وادي الدواسر جنوبا من وادي الركاء وغربا من هضبة صاحة وتكتنفه جبال الستارة من الجنوب والغرب والشمال
ترتفع قمة سحام 1311مترا عن سطح البحر و نحو 320 مترا عن سطح الأرض
يقع على الشبكية التالية:
35 07 22 شمال خط الاستواء
10 42 44 شرق خط غرينتش
وفي الختام أرجو وصاحبي أن ينال هذا الموضوع ثقتكم وإعجابكم
والسلام عليكم
التوقيع
في علم البلدان ، أمور تجر إلى الخطأ :
1- محاولة السبق إلى تحقيق المكان .
2- تبرير ما استقر في الذهن .
3- تحقيق الموضع بغير نسبته إلى مكان لا جدال فيه .
4- الخوف البالغ من الخطأ .
التعديل الأخير تم بواسطة سعد الماضي ; 16-11-09 الساعة 01:01 PM
ريف النشاما
راعي الذوق
أبو مروان
صقر
أبو أشرف
* هي مجموعة صعدت في السماء رُقِيًّا فلا يكاد يلحق بها أحد لولا إصرارها على التواضع والقرب من إخوان لهم لا يزالون فوق الأرض وتحت الشمس .
كان بِوُدّي أن أشكر كل واحد منكم شكرا خاصّا ولكنّي آثرت أن تكونوا سواءً فالهدف واحد والرؤى واحدة.
أتمنى من كل قلبي أن يكون هذا الأسلوب الذي طرحته في هذا الموضوع قد نال استحسانكم فلقد بذلت غاية جهدي في تقديمه إليكم بهذا الشكل.
أعلم أن كثيرا من الإخوة الأعضاء والقراء مشغولون بالعطلة أو بالحج فأردت تأجيله ولكن رأيت أن تقديم إحدى الصور الربيعية سيكون مشجعا لمن يريد تغيير الاتجاه ليذهب إلى هناك.
سيكون هناك موضوعان قادمان بإذن الله وسأنهج فيهما اللغة المباشرة.
أشكركم