بسم الله الرحمن الرحيم
الاخوة الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
يقول مالك بن الريب في مرثيته المبكية :
وَلَكِن بِأَكنافِ السُمَينَةِ نسوَةٌ == عَزيزٌ عَلَيهِنَّ العيشَةَ ما بِيا
وهي من ضمن قصيدته التي مطلعها :
أَلا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةً == بِجَنبِ الغَضا أُزجي القَلاصَ النَواجِيا
ويعود لذكر السمينة ثانية حينما يقول :
وَقوما عَلى بِئرِ السَّمينَةِ أسمعا == بِها الغُرَّ وَالبيضَ الحِسانَ الروانِيا
وقد ضمنها كثيرا من لواعج النفس ولهيب الشوق إلى أهله ووطنه بعد أن ذهب غازيا في خراسان مع جيش سعيد بن عثمان بن عفان رحمه الله ورضي عن والده .
كما ضمنها جملة من الأماكن الأخرى التي يحن ويشتاق إليها كالغضا وعنيزة وبولان والرقمتين وغيرها ..
ومن هذه المواضع التي ذكرها موضع ( السمينة ) وهو أحد المواضع التي تقع بين البصرة ومكة على طريق الحجاج
كما ذكرها جرير بن عطية الخطفي وحياها حين قال :
حَيِّ الدِيارَ عَلى سَفيِ الأَعاصيرِ == أَستَنكَرَتنِيَ أَم ضَنَّت بِتَخبيري
حَيِّ الدِيارَ الَّتي بَلّى مَعارِفَها == كُلَّ البِلى نَفَيانُ القَطرِ وَالمورِ
هَل أَنتِ ذاكِرَةٌ عَهداً عَلى قِدَمٍ == أُسقيتِ مِن صَبَلِ الغُرِّ المَباكيرِ
هَل تَعرِفُ الرَبعَ إِذ في الرَبعِ عامِرُهُ == فَاليَومَ أَصبَحَ قَفراً غَيرَ مَعمورِ
أَو تُبصِرانِ سَنا بَرقٍ أَضاءَ لَنا == رَملَ السُمَينَةِ ذا الأَنقاءِ وَالدورِ
كما ذكرها أيضاً الراعي النميري بقوله :
مِنَ الغيدِ دَفواءُ العِظامِ كَأَنَّها == عُقابٌ بِصَحراءِ السُمَينَةِ كاسِرُ
=
==
===
وقد ذكرها الإمام وكيع رحمه الله في كتاب الطريق وقال عنها :
( .. ثم السمينة :
فمن الينسوعة إلى السمينة تسعة وعشرون ميلاً ... )
ـــــــــــــــــ
تحديد المتأخرين لموضع السمينة
رأي الشيخ محمد بن بليهد رحمه الله :
يرى ابن بليهد رحمه الله أن السمينة هي بلدة ( سمنان ) الواقعة قريبا من الزلفي .. ولقد أبعد الشيخ - رحمه الله - النجعة في تحديده هذا .
رأي الشيخ محمد العبودي :
أما الشيخ العبودي فقد حدد السمينة بأنها آبار البيصية وهي آبار كثيرة تقع شرق الأسياح ( النباج ) بين عروق الرمال وتحديدا بين عرقي البيصية الشرقي والغربي .
رأي الشيخ حمد الجاسر :
وقد سار الشيخ حمد الجاسر على رأي الشيخ العبودي في أن السمينة هي آبار البيصية وكذلك الباحث تركي القهيدان سار على رأي الشيخ العبودي في تحديده للسمينة .
رأي الشيخ عبدالله الشايع :
أما الشيخ عبدالله الشايع فقد ذهب إلى أنها بئر النقع بعد أن دله على موقعها الأستاذ عبدالله السهلي وذهب به إليها وأيده في أن هذا البئر المسمى بئر النقع هو ما كان يسمى بئر السمينة قديما ..
وللباحث محمد السبيعي نفس الرأي وقد سبق الشايع في تحديد السمينة بأنها بئر النقع .
وقد جاء بعدهم الأستاذ عوض السرور مؤكداً هذا الرأي من خلال بحث نشره في كتاب بعنوان :
( طريق الحج البصري بين النباج والرقعي )
علماً أنه جاء بأدلة ليس لها وجود في الواقع لتقوية هذا الرأي :
قال في صفحة ( 158 ) : ( .. وقد قمنا بتحري موضع السمينة متجهين من بريكة الاجردي جنوبا عبر أعلام الطريق إلى أن صعدنا أول حبل من النفود ومن ثم تتالت الأعلام واحداً تلو الآخر
إلى أن هدتنا إلى موضع السمينة ، وتبين أنه مايسمى الآن النقع ... )
ثم راح الأستاذ عوض السرور يضع أبعاد هذه الأعلام عن بئر السمينة حيث يبعد أبعدها 17.5كم ويبعد أقربها 3 كم فقط .
وأنا أتمنى من الأستاذ عوض أن يذكر لي ماهي هذه الأعلام أو العلامات التي دلته على موضع السمينة ؟!! ..
فلا أعلام ولا أمارات ولا دلائل إلا رؤوس الرمال .
فهل هذه علامات طريق في رأي الأستاذ .
إن الدليل القاطع في تحديد موضع السمينة هو النص الواضح الذي ذكره الإمام وكيع بأن السمينة منزل على طريق الحج البصري بين الينسوعة والنباج وحدد بعدها عن الينسوعة بأنه 29ميلا ..
وهذا دليل كاف لنجزم بأن بئر النقع هو أقرب المواضع التي ينطبق عليها وصف السمينة بلا تكلف في وضع الدلائل التي لا تستند إلى نص ولا واقع .
الحقيقة أن بئر النقع يبعد عن الينسوعة ( البريكة ) 54 كيلا على السمت وليس 58 كيلا كما ذكر الأستاذ السرور .
وهذه المسافة قريبة جدا من تحديد الإمام وكيع رحمه الله تعالى .
حينما نطبق نص الإمام وكيع على بئر النقع وآبار البيصية فإننا سنجد أن بئر النقع هو الأقرب لأن يكون هو منزل السمينة وخصوصا أن أبار البيصية تنحرف قليلا عن جادة الطريق نحو الجنوب
بينما يقع بئر النقع على الجادة تماماً .. وهذا لا ينفي أن الحجاج والمسافرين قديما كانوا يردون البيصية وخصوصاً أننا وجدنا عددا من قطع الفخار والزجاج العائد إلى العصر الأموي والعصر العباسي
كما يظهر من شكلها وطريقة صنعها وزخارفها .. وهذا لا يعني أنها السمينة بالطبع .
وخلاصة القول أن الذي يترجح عندي أن السمينة هي بئر النقع الواقع بين حبال الرمال الممتدة شمال نفود الثويرات حيث تمتد عروق رملية طويلة ولكل عرق منها اسم خاص
فمنها عرق المظهور وعرق لزام وعرق غشام وعرق الاشعلي وعرقا البيصية الشرقي والغربي وغيرها ..
ويقع بئر النقع بين عرق النقع وعرق لزام عند الإحداثية التالية :
2705354
4427009
وهذه خارطة تبين موقع بئر النقع وآبار البيصية في رمال المظهور وقد حددت بدوائر حمراء :
ــــــــــــــــــــ
السمينة تاريخياً وجغرافياً :
السمينة منزل من منازل الحجاج القادمين من البصرة وكانت لبني الهجيم وبها آبار عذبة ومالحة وكانت الإبل حين ترد أبارها العذبة تبغر وتموت وليس لها دواء منه إلا الطين تسفه الإبل .
وتقع بئر السمينة بين حبلين من حبال الرمل شديدا الوعورة ويصعب مشي الجمال عليها
يقال لأحدهما قديماً مضرط ( وهو الذي يلي البصرة ) وهو الأصعب
ويقال للآخر مربخ ( وهو الذي يلي مكة ) .
والمقصود بحبال الرمل هي العروق الرملية الممتدة
ومربخ هو مايسمى الآن عرق النقع
ومضرط هو مايسمى الآن عرق لزام حيث يقع بئر النقع بينهما والله أعلم .
ــــــــــــــ
قصة حدثت في السمينة زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
ذكرها وكيع في كتاب الطريق حيث قال :
زعم أهل الأخبار أن أبا موسى الأشعري لما ظفر بالهرمزان ووجهه إلى عمر بن الخطاب أخذ به أحد رسل أبي موسى على هذا الطريق فلما نزلوا السمينة منعهم أهلها الماء . فقال له بعض من معه :
إذا وردت على عمر فأخبره بما صنع هؤلاء لعله أن يرحلهم من هذا الماء .
فقال الهرمزان : فأي موضع شر من هذا الموضع ! .
ــــــــــــ
مشاهدات من البيصية والنقع :
أولا النقع :
يوجد شمال البئر بحوالي 7 كم قرية تسمى الآن النقع وهي ليست على جادة الطريق وهذه صورة للهجرة الحالية :
وأما موقع البئر القديم ففيه بعض الآثار والأساسات القديمة وكسر الفخار والزجاج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما يوجد بالموقع مزرعة حديثة وبئر مطمورة بجوار البئر القديمة التي نضب ماؤها :
بئر النقع من الخارج وهي السمينة قديماً
=
==
===
البئر من الداخل
أثر الحبال ونزح الماء على جوانب البئر
عبدالله يقف وسط البئر المطمورة ومعالمه ليست واضحة إلا لمن يمعن النظر
موقع البئر في أرض تتكون من التربة الجبسية البيضاء كما هي الحال في موقع البيصية
وهذه صور من عرق النقع المطل على البئر والمسمى قديما مربخ
وتبدو وعورته وصعوبة المشي فيه
بانوراما لعرق النقع ( حبل مربخ )